المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٦٦ - ذكر الحوادث في السنة الرابعة من النبوة
أين أقبل القوم؟ قلنا: من الرَّبَذَة. قال: و معنا جمل أحمر. قال: تبيعوني جملكم؟ قلنا:
نعم. قال: بكم؟ قلنا: بكذا و كذا صاعا من تمر. قال: فما استوضعنا شيئا، و قال: قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا قليلا فتلاومنا/ بيننا فقلنا:
أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تتلاوموا، فقد رأيت وجه رجل ما كان ليحقركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجل فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم إليكم، فإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا و تكتالوا حتى تستوفوا. قال: فأكلنا حتى شبعنا، و اكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة فإذا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قائم على المنبر يخطب الناس و هو يقول: «يد المعطي العليا و ابدأ بمن تعول ابنك و أباك و أختك و أخاك و أدناك و أدناك»
[١].
و
روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم ذات يوم الصفا فقال: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ قال: أ رأيتم [٢] إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ألا تصدقوني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك، أ لهذا دعوتنا؟ فأنزل اللَّه تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ [٣] إلى آخر السورة.
و
روى ابن عباس، عن علي بن أبي طالب [رضي اللَّه عنهما] قال: لمّا أنزلت هذه الآية على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [٤] دعاني [رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم] [٥] فقال لي: «يا علي، إن اللَّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا، و عرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت حتى أتاني جبريل فقال: يا محمد، إنك إن لا تفعل ما تؤمر به يعذبك اللَّه [٦] فاصنع لهم صاعا من طعام، و اجعل عليه رجل
[١] أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢/ ٢٢٦، ٥/ ٦٤، ١٦٣، ٥/ ٣٧٧.
[٢] في الأصل: «أ رأيتكم».
[٣] سورة: السد: الآية: ١ و انظر ألوفا برقم ٢٤٨. و الطبري ١/ ٥٤٢.
[٤] سورة: الشعراء، الآية: ٢١٤.
[٥] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٦] في ت: «يعذبك ربك».