المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥٧ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة، و أتت أمرها من وجه [١] الخداع و المكر. فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها و ملكها، و أن يصل بلاده ببلادها، و كان فيما كتبت إليه: أنها لم تجد ملك النساء إلا قبح في [٢] السماع، و ضعف السلطان، و قلة ضبط المملكة، و إنها لم تجد لملكها موضعا [٣] و لا لنفسها كفئا غيره، فاجمع ملكي إلى ملكك، وصل بلادي ببلادك، و تقلّد أمري مع أمرك.
فلما انتهى كتاب الزّباء/ إلى جذيمة استخفّه ما دعته إليه، و رغب فيما أطمعته فيه، و جمع إليه أهل [الحجى] [٤] و النّهى، من ثقات أصحابه، و هو بالبقّة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه الزّباء، و استشارهم، فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، و يستولي على ملكها، و كان فيهم رجل يقال له: قصير بن سعد بن عمرو، و كان سعد قد تزوج أمة لجذيمة، فولدت له قصيرا، و كان حازما مقدما عند جذيمة، فخالفهم فيما أشاروا به، و قال: «رأى فاتر، و عدو [٥] حاضر». فذهبت مثلا [٦].
و قال لجذيمة: اكتب إليها، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، و إلا لم تمكّنها من نفسك و لم تقع في حبالها، و قد قتلت أباها. فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه [٧] قصير، و قال له: «إنك أمرؤ رأيك في الكنّ لا في الضّحّ». فذهبت مثلا.
و دعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عديّ فاستشاره، فشجّعه على السير. فاستخلف عمرو، و سار في وجوه أصحابه، فلما نزل رحبة طوق [٨] دعا قصيرا، فقال: ويحك ما الرأي؟ قال له: «ببقّة تركت الرأي»، فذهبت مثلا.
[١] في ت: «من جهة».
[٢] في الطبري: «إلا قبيح».
[٣] «موضعا» سقطت من ت.
[٤] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، ت، و أثبتناه من الطبري ١/ ٦١٩.
[٥] في الطبري ١/ ٦١٩: «و غدر حاضر».
[٦] في الطبري ١/ ٦١٩ زيادة: «فرادوه الكلام و نازعوه الرأي، فقال: «إني لأرى أمرا ليس بالخسا و لا الزكا»، فذهبت مثلا. و قال لجذيمة ...».
[٧] «عليه» سقطت من ت.
[٨] في الطبري ١/ ٦٢٠: «فلما نزل الفرضة دعا قصيرا».