المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٦ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
و سرّها، و بنت له عندها منزلا، و عاد إلى العراق ثانية، فقدم بأكثر من ذلك طرفا من الجواهر [١]، و البز، و الخز، و القز، و الديباج، فازداد مكانه عندها [٢]، و ازدادت منزلته عندها، و رغبتها فيه، و لم يزل قصير يتلطف حتى عرف موضع النفق الّذي تحت الفرات، و الطريق إليه.
ثم خرج ثالثة فقدم بأكثر من الأوليين طرائف و لطائف، فبلغ مكانه [منها] [٣] و موضعه عندها إلى أن كانت تستعين به في مهمّها و ملمّها، فاسترسلت إليه و عوّلت عليه في أمورها كلها [٤]. و كان قصير رجل حسن العقل و الوجه، حصيفا أديبا لبيبا، فقالت له يوما: أريد أن أغزو البلد الفلاني من أرض الشام، فاخرج إلى العراق فأتني بكذا و كذا من السلاح و الكراع و العبيد و الثياب/ فقال قصير: ولي في بلاد عمرو بن عديّ ألف بعير و خزانة من السلاح فيها كذا و كذا، و ما يعلم عمرو بن عديّ [٥] بها، و لو علم لأخذها و استعان بها على حربك، و كنت أتربص به المنون و أنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فآتيك بها مع الّذي سألت.
فأعطته من المال ما أراد، و قالت: يا قصير، الملك يحسن بمثلك و على يد مثلك يصلح أمره، و لقد بلغني أن أمر جذيمة كان إيراده و إصداره إليك، و ما تقصر يدك عن شيء تناله يدي، و لا يقعد بك حال تنهض بي.
فسمع كلامها رجل من خاصة قومها، فقال: أسد خادر و ليث زائر، قد تحفز للوثبة. و لما رأى قصير مكانه منها و تمكّنه من قلبها، قال: الآن طاب المصاع. و خرج من عندها، فأتى عمرو بن عديّ و قال: أصبت الفرصة من الزّباء فانهض فعجّل الوثبة، فقال له عمرو: قل يسمع [٦]، و مر أفعل، فأنت طبيب هذه القرحة، فقال: الرجال و الأموال. فقال: حكمك فيما عندنا مسلط. فعمد إلى ألفي رجل من فتّاك قومه
[١] في ت: «من الجوهر».
[٢] في ت: «مكانه منها».
[٣] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و أثبتناه من ت.
[٤] في ت: «و عولت في أمورها كلها عليه».
[٥] «بن عدي» سقط من ت.
[٦] في ت: «قل أسمع».