المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٨٧
سَيَغْلِبُونَ [١] و كانت بين فارس و الروم حروب قد أشرنا إليها فيما تقدم.
قال يحيى بن يعمر: بعث قيصر رجلا يدعى قطمه بجيش من الروم و بعث كسرى بشهربراز، فالتقيا بأذرعات و بصرى و هما أدنى الشام إليكم فلقيت فارس الروم، فغلبتهم فارس، ففرح بذلك كفار/ قريش و كرهه المسلمون. فأنزل اللَّه تعالى الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ الآيات.
و قال علماء السير: و قد فرح المشركون و شق على المسلمين لأن فارس لم يكن لهم كتاب، و كانوا يجحدون البعث، و يعبدون الأصنام، و كان الروم أصحاب كتاب، فقال المشركون لأصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: إنكم أهل كتاب، و النصارى أهل كتاب، و نحن أميون، و قد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، فإن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فنزلت هذه الآية، فخرج بها أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه إلى المشركين، فقالوا: هذا كلام صاحبك، فقال: اللَّه أنزل هذه! فقالوا لأبي بكر: نراهنك على أن الروم لا تغلب فارس، فقال أبو بكر: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فقالوا:
الوسط من ذلك ست، فوضعوا الرهان- و ذلك قبل أن يحرّم الرهان- و كان الرهن عشر قلائص إلى عشر قلائص، فرجع أبو بكر إلى أصحابه فأخبرهم، فلاموه، و قالوا: هلا أقررتها كما أقرها اللَّه لو شاء أن يقول ستا، فخرج أبو بكر: أزيدكم في الخطر و أزيدكم [٢] في الأجل إلى تسع سنين. فقهرهم أبو بكر و أخذ رهانهم، فظهرت الروم على فارس بعد سبع سنين، و وافق التقاؤهم يوم بدر.
و من الحوادث في هذه السنة [٣] أنه لما أسلم حمزة و عمر رضي اللَّه عنهما، و حمى النجاشي من عنده من المسلمين، و حامي عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم عمّه أبو طالب فشا الإسلام في القبائل، و اجتهد المشركون في إخفاء ذلك النور، وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [٤] و اجتمعت قريش و استمرت
[١] سورة: الروم، الآيتان: ٢- ٣.
[٢] في الأصل: «أمد في الأجل».
[٣] بياض في ت مكان: «و من الحوادث في هذه السنة».
[٤] سورة التوبة، الآية: ٣٢.