المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨٩ - حديث أنطونس السائح
تؤملون، و يصيعون العمل حتى نزل بهم من العقوبة ما بلغكم يوشك من سلك المفازة بغير ماء أن يهلك عطشا، أراكم تتكلون [١] على الرجاء في هلاك أبدانكم، و لا تتكلون عليه في صلاح معايشكم، أ رأيتك مدائنكم التي بنيتموها و اعتقدتم فيها الآيات، لو قيل لكم سينزل عليكم ملك بجيوشه فيعم أهلها بالقتل، و بنيانها بالهدم، هل كنتم تطيبون نفسا بالمقام فيها و البنيان بها؟ قالوا: لا، قال: فو اللَّه إن أمر هؤلاء الآدميين لصائر إلى هذا، قالوا: قد أشربت قلوبنا حب الدنيا، قال:/ مع الأسفار البعيدة تكون الأرباح الكثيرة، فيا عجبا للجاهل و العالم كيف استويا في هلاك أنفسهما، ألا أن الّذي يسرق و لا يعرف عقوبة السارق أعذر من العارف بعقوبته، و إني أرى هذا العالم يبذلون أنفسهم دون أموالهم، فكأنهم لا يصدقون بما يأتيهم به أنبياؤهم. قالوا: ما سمعنا أحدا من أهل الملك [٢] يكذب شيئا مما جاءت به الأنبياء، قال: من ذلك اشتدّ عجبي من اجتماعهم [٣] على التصديق و مخالفتهم [٤] في الفعل، قالوا: أخبرنا كيف أول معرفتك للأمور؟ قال: من قبل الفكر تفكرت في هلاك هذا العالم، فإذا ذلك من قبل أربعة أشياء جعلت فيهن اللذات، و هي أربعة أبواب مركبة في الجسد، منها ثلاثة في الرأس:
العينان و المنخران و الحنك، و واحد في البطن و هو الفرج، فالتمست خفة المؤنة في هذه الأبواب فوجدت أيسرها مئونة باب المنخرين، ثم التمست الخفة المئونة الحنك، فإذا هو غذاء لا قوام للجسد إلا به، فإذا صارت تلك المئونة في الوعاء استقرت، فتناولت ما تيسر من المطعم و المشرب، و صرت بمنزلة رجل كان يتخذ الرماد من الخلنج و الصندل فثقلت عليه المئونة، فاتخذ الرماد من الزبل و الحطب. و نظرت في مئونة الفرج فإذا هو و العينان موصلان بالقلب، فلم أجد شيئا أصلح لهما من العزلة و بغض إلى منزلي الّذي كان فيه [٥] مقامي مع من لا يعقل إلا أمر دنياه، فتخببت هذا المنزل فقطعت عني أبواب الخطيئة، و حسمت في نفسي لذات أربعا و قطعتهن بخصال أربع.
[١] في الأصل: «تتوكلون» و ما أوردناه من ت.
[٢] في ت: «أهل الملة».
[٣] في الأصل: «اجتماعكم» و ما أوردناه من ت.
[٤] في الأصل: «مخالفتكم» و ما أوردناه من ت.
[٥] في الأصل: «الّذي كنت فيه»، و ما أوردناه من ت.