المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٦٧ - ذكر الحوادث في السنة الرابعة من النبوة
شاة، و املأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم و أبلغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له، و هم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه أبو طالب، و حمزة، و العباس، و أبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعت له، فجئت به فلما وضعته تناول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم/ جرة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: «خذوا باسم اللَّه» فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، و ما أرى إلا مواضع أيديهم و أيم اللَّه الّذي نفس علي بيده، إن كان الرجل [منهم] [١] ليأكل ما قدمت لجميعهم. ثم قال: «اسق القوم» فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتى رووا جميعا، و أيم اللَّه إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم أن [يكلمهم] [٢] بدره أبو لهب الكلام، فقال: سحركم صاحبكم- فتفرق القوم، و لم يكلمهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فقال: «الغد يا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت من القول فأعد لنا من الطعام مثل ما صنعت، ثم أجمعهم لي». ففعلت و جمعتهم فأكلوا و شربوا، ثم تكلم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم فقال: «يا بني عبد المطلب، إني و اللَّه ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني اللَّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر [٣] على أن يكون أخي»؟ فأحجم القوم، فقلت و أنا أحدثهم سنا: أنا يا نبي اللَّه. فقام القوم يضحكون [٤].
و ذكر ابن جرير: أن أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم كانوا إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب و استخفوا من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين و هم يصلون فذاكروهم و عابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فاقتتلوا فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين [بلحي جمل] [٥] فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام [٦].
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٣] في الأصل: «على هذا القوم».
[٤] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ١٧٩- ١٨٠ مختصرا. الطبري ١/ ٥٤٢.
[٥] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٦] أخرجه ابن الجوزي في ألوفا برقم ٢٦٣.