المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥٥ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
صددت الكأس عنّا أمّ عمرو * * * و كان الكأس مجراها اليمينا
و ما شرّ الثّلاثة أمّ عمرو * * * بصاحبك الّذي لا تصحبينا
[١]! فقال مالك و عقيل: من أنت يا فتى؟ فقال: أنا عمرو بن عدي.
فنهضا إليه فضمّاه و غسلا رأسه، و قلّما أظفاره، و أخذا من شعره و ألبساه مما كان معهما من الثياب، و قالا: ما كنا لنهدي لجذيمة هديّة هي أنفس عنده، و لا أحب إليه من ابن أخته، و قد ردّه اللَّه عليه بنا.
فخرجا به إلى جذيمة بالحيرة، فسرّ بذلك سرورا شديدا، و أرسل به إلى أمه، فمكث عندها أياما ثم أعادته إليه، فقال: لقد رأيته يوم ذهب و عليه طوق، فما ذهب عن عيني و لا قلبي إلى الساعة. فأعادوا عليه الطوق، فلما نظر إليه قال: «شبّ [٢] عمرو عن الطوق»، فأرسلها مثلا، و قال لمالك و عقيل: حكمكما، فقالا: حكمنا منادمتك ما بقينا و بقيت، فهما ندمانا جذيمة [٣] اللذان ذكرا في أشعار العرب.
و في ذلك يقول أبو خراش الهذلي الشاعر [٤]:
لعمرك ما ملّت كبيشة طلعتي * * * و إنّ ثوائي عندها لقليل
أ لم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا * * * نديما صفاء مالك و عقيل
[٥] و قال متمّم بن نويرة [٦]:
و كنّا كندماني جذيمة حقبة * * * من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلمّا تفرّقنا كأنّي و مالكا * * * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
و كان ملك العرب بأرض الجزيرة [٧] و مشارف بلاد الشام عمرو بن
[١] الأبيات من معلقات عمرو بن كلثوم ص ٢١١.
[٢] في ت: «كبر عمرو». الشعر و مصادره في «شعر الردة في الإسلام» رسالة دبلوم الدراسة العليا إعداد نعيم زرزور الجامعة اللبنانية- كلية الآداب (مخطوطة).
[٣] في الأصل: «ندما» و في ت: «ندماء».
[٤] «الشاعر» سقطت من ت، و الطبري.
[٥] الأبيات من ديوان الهذليين ٢/ ١١٦.
[٦] في ت: «و في ذلك متمم بن نويرة يقول».
[٧] في ت: «بأرض الحيرة».