المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٦٨ - ذكر الحوادث في السنة الرابعة من النبوة
قال ابن إسحاق: و لما نادى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قومه بالإسلام لم يردوا عليه كل الرد، حتى ذكر آلهتهم و عابها، فلما فعل ذلك نادوه و اجتمعوا على خلافه، و منعه عمه أبو طالب فمضى [١] إلى أبي طالب رجال من أشرافهم: كعتبة، و شيبة، و أبي جهل، فقالوا:
يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد/ سبّ آلهتنا، و عاب ديننا و سفّه أحلامنا، و ضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا [٢]، و إما أن تخلي بيننا و بينه، فإنك على مثل [٣] ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا و ردّهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، و مضى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم على ما هو عليه يظهر دين اللَّه و يدعو إليه، ثم شرى الأمر بينه و بينهم، حتى تباعد الرجال و تضاغنوا، فأكثرت قريش ذكر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم بينها، و حضّ بعضهم بعضا عليه، ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا: يا أبا طالب، إن لك نسبا و شرفا و منزلة فينا، و انا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، و إنا و اللَّه لا نصبر على شتم آبائنا و سفه أحلامنا، و عيب آلهتنا حتى نكفه عنا أو ننازله و إياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين.
ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه و عداوتهم، و لم يطب نفسا بإسلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم إليهم [٤]، و لا خذلانه، إلا أنه قال له: يا بن أخي، إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا و كذا، فأبق [عليّ و] [٥] على نفسك، و لا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم أن عمه خاذله و مسلمه، و أنه قد ضعف عن نصرته، فقال:
«و اللَّه يا عمّاه لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره [٦] اللَّه أو أهلك فيه، ما تركته» ثم بكى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و قام، فلمّا ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا بن أخي. فاقبل فقال: اذهب فقل ما أحببت، فو اللَّه لا أسلمك [لشيء] [٧] أبدا [٨].
[١] في ت: «فمشى».
[٢] «عنا» سقطت من ت.
[٣] «مثل» سقطت من ت.
[٤] في ت: «لهم».
[٥] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٦] في ت: «أظهره».
[٧] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٨] أخرجه ابن الجوزي في ألوفا برقم ٢٦٣. و ابن هشام في السيرة النبويّة ١/ ٢٧٨. و البيهقي في الدلائل ٢/ ١٨٧.