المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٧١ - و من الحوادث العجيبة
بتقوى اللَّه و صلة الرّحم، فإنّها لا يبلى عليها أصل، و لا يهيض عليها [١] فرع، و إياكم و نكاح الحمقى، و اعلموا أن سوء جهل الغني يورث سرحا، و أن سوء جهل الفقير يضع الشرف، و أن العدم عدم العقل لا عدم المال، و اعلموا أنه لن يهلك امرؤ عرف قدره، و اعلموا أن مقتل الرجل بين لحييه، و أن قول الحق لم يترك لي صديقا.
و ذكر أبو هلال الحسن بن عبد اللَّه بن سهل العسكري: أن أكثم بن صيفي سمع بذكر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فكتب إليه مع ابنه حبيش [: باسمك اللَّهمّ، من العبد إلى العبد، أما بعد: فبلغنا ما بلغك اللَّه، فقد بلغنا عنك خير، فإن كنت أريت فأرنا، و إن كنت علمت فعلّمنا و أشركنا في خيرك و السلام.
فكتب إليه النبي صلى اللَّه عليه و سلم: «من محمد رسول اللَّه إلى أكثم بن صيفي، أحمد اللَّه إليك، إن اللَّه أمرني أن أقول لا إله إلا اللَّه و ليقر بها الناس، و الخلق خلق اللَّه، و الأمر كله للَّه، و هو خلقهم و أماتهم، و هو ينشرهم و إليه المصير. بآدابه المرسلين و لتسلن عن النبأ العظيم، و لتعلمن نبأه بعد حين]
[٢].
فقال لابنه: ما رأيت منه، قال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، و ينهى عن ملائمها.
[فجمع أكثم بني تميم، و قال: لا تحقرن سفيها، فإن من يسمع يخل، و إن من يخل ينظر و إن السفيه واهي الرأي و إن كان قوي البدن، و لا خير فيمن عجز رأيه و نقص عقله.
فلما اجتمعوا دعاهم إلى اتباع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فقام مالك بن عروة اليربوعي مع نفر من بني يربوع فقال: خرف شيخكم، إنه ليدعوكم إلى الغبار، و يعرضكم للبلاء، و أن تجيبوه تفرق جماعتكم و تظهر أضغاثكم، و يذلل عزكم، مهلا مهلا. فقال أكثم بن صيفي: ويل للشجيّ من الخليّ، يا لهف نفسي على أمر لم أدركه و لم يفتني ما آسى عليك بل على العامة، يا مالك إن الحق إذا قام دفع الباطل و صرع صرعى قياما، فتبعه مائة من عمرو و حنظلة، و خرج إلى النبي صلى اللَّه عليه و سلم، فلما كان في بعض الطريق] [٣] عمد
[١] «عليها» سقطت من ت و كتبت بالهامش.
[٢] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و بدلا منه: «فلما ورد الجواب قال لابنه».
[٣] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و بدلا منه: «فجمع قومه فلما ارتحل إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم ففي الطريق عمد حبيش».