المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٧٢ - و من الحوادث العجيبة
حبيش إلى رواحلهم فنحرها و شق ما كان معهم من مزادة و هرب، فأجهد أكثم العطش فمات، و أوصى من معه باتباع النبي صلى اللَّه عليه و سلم و أشهدهم أنه أسلم. فأنزل فيه: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [١].
[فهاتان الروايتان تدلان على أن أكثم بن صيفي أدرك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم.
و قد روينا أنه مات قبل ذلك] [٢].
قال مؤلف الكتاب رحمه اللَّه: كان أكثم بن صيفي من كبار الحكماء، و عاش مائتي سنة، و له كلام مستحسن [٣].
[فمنه: من عتب على الدهر طالت معتبته، و من رضي بالقسم طابت معيشته، و الدنيا دول، فما كان منها لك أتاك على ضعفك، و ما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك، و الحسد داء ليس له شفاء، من يصحب الزمان يرى الهوان، و لم يفت من لم يمت، و كلّ ما هو آت قريب و من سأمنه يؤتى الحذر «دخل الطريق لمن لا يضيق لوسع يجدأ و دع البر ينحو عليه العدو» [٤] كفوا ألسنتكم، فإن مقتل الرجل بين فكيه، و في طلب المعالي تكون العزة، و من قنع بما هو فيه قرت عينه، و لم يهلك من مالك ما وعظك، لا تغضبوا من اليسير فإنه يجني الكثير، و ألزموا النساء المهنة، و أكرموا الخيل، و نعم لهو الحرة المغزل، و حيلة من لا حيلة له الصبر، المكثار حاطب ليل، أشد الناس مئونة أشرافهم، و من التواني و العجز انتجت الهلكة، و أحوج الناس إلى الغنى من لم يصلحه إلا الغناء، و حب المدح رأس الضياع، و رضى الناس لا يدرك، فتحر الخير بجهدك، و لا تكره سخط من رضاه الجور، معالجة العفاف مشقة، فنعوذ بالصبر و آخر الغضب، فإن القدرة من ورائك غي، الصمت خير من عيّ المنطق، خير القرناء المرأة الصالحة، ليس للمختال في حسن الثناء نصيب، و لا تمام لشيء من العجب،
[١] سورة: النساء، الآية: ١٠٠.
[٢] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٣] في الأصل: «سنذكره إن شاء اللَّه تعالى» و لم يذكره.
[٤] ما بين هلالين هكذا ورد في الأصل مشوشا، و لعله من الناسخ، و لم نجد أصل هذه العبارة في المراجع التي بين أيدينا.