المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥٩ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
فانطلق و صنع ما أمرته به، و أرادت أن تعرف عمرو بن عديّ فلا تراه على حال إلّا عرفته و حذرته و علمت علمه. فقال قصير لعمرو بن عديّ: أجدع أنفي و اضرب ظهري، و دعني و إياها فقال عمرو: ما أنا بفاعل و ما أنت لذلك بمستحقّ [١] مني. فقال قصير:
«خلّ عنّي إذا و خلاك ذمّ». فذهبت مثلا.
و قال ابن الكلبيّ: كان أبوها اتّخذ لها [٢] النفق و لأختها، و كان الحصن لأختها في داخل مدينتها، قال: فقال له عمرو: فأنت أبصر، فجدع أنفه و ضرب ظهره فقالت العرب: «لمكر ما جدع قصير أنفه».
و في ذلك يقول الملتمس:
و من حذر الأوتار ما جزّ أنفه * * * قصير و خاض الموت بالسّيف بيهس
[٣] ثم خرج قصير كأنه هارب، و أظهر أن عمرا فعل به ذلك، و أنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة، و غرّه من الزّباء. فسار قصير حتى قدم عليها، فتسبب في قتلها [٤].
و قال مؤلف الكتاب: و قد رويت لنا هذه القصة على خلاف هذا، و أن جذيمة طرد الزباء ثم طلب أن يتزوجها، و نحن نوردها لتعلم قدر الاختلاف.
أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت [الخطيب] قال: أخبرنا علي بن الحسين بن موسى العلويّ، قال: حدّثنا أبو محمد: سهل بن أحمد الديباجي، قال: أخبرنا قاسم بن جعفر السراج، قال: أخبرنا يعقوب بن الناقد، قال: أخبرنا أحمد بن عمرو بن الفرج، قال: أخبرنا أبي، عن يونس بن حبيب النحويّ.
قال الديباجي: و حدّثنا القاضي أبو محمد: عبد اللَّه بن أحمد الربعي، قال:
[١] في ت: «بمستحق ذلك».
[٢] في ت، و الطبري: «كان أبو الزباء اتخذ النفق لها».
[٣] في الأصل: «ينهس». «و بيهس» رجل من فزارة كان يجمعه، فقتل له سبعة إخوة، فجعل يلبس القميص مكان السراويل، و السراويل مكان القميص، فإذا سئل عن ذلك قال: ألبس لكل عيشة لبوسها إما نعيمها و إما بؤسها. فتوصل بما صوره من حاله عند الناس إلى أن طالب بدماء إخوته (الحماسة ٢/ ٦٥٨).
[٤] ذكر الطبري كيفية قتلها ١/ ٦٢٣- ٦٢٥، و هي قصة مقاربة لما سيذكره المصنف بسنده فيما يلي.