المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٨٣ - فصل
به عن اللَّه عز و جل؟ فقال له جعفر: نعم: قال: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، و بكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال النجاشي: إن هذا و الّذي جاء به موسى، ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فو اللَّه لا أسلمكم إليهما أبدا. قالت: فلما خرجنا من عنده، قال عمرو بن العاص: و اللَّه لآتينه غدا أعيبهم عنده بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عبد اللَّه بن أبي ربيعة، و كان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحاما. قال: فو اللَّه لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم، فاسألهم عمّا يقولون فيه.
قالت: فأرسل إليهم، فسألهم عنه؟ قالت: و لم يزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: ما ذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول و اللَّه فيه ما قال اللَّه عز و جل، و ما جاء به نبينا، كائن في ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟
قال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الّذي جاء به نبينا صلى اللَّه عليه و سلم: «هو عبد اللَّه و روحه و كلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول»
قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. ثم قال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي- و السيوم الآمنون- من سلم عزم، من سلم [عزم، من سلم عزم، ما أحب أن أدير ذهبا و إني أذيت منكم رجلا. و الدير بلسان الحبشة: الحبل] [١] ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فو اللَّه ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، و ما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.
قالت:/ فخرجا من عنده مقبوحين، مردودا عليهما ما جاءا به [٢]، و أقمنا عنده بخير دار و خير جار.
قالت: فو اللَّه إنا على ذلك فأنزل به من ينازعه في ملكه.
قالت: فو اللَّه ما علمنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك الملك على النجاشي [فلا يعرف من حقنا ما كان يعرفه] [٣].
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] ورد في الأصل فخرجنا من عنده مقبوحين مردودا عليهم ما جاءوا به.
[٣] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، ت و أضفناه من البداية ٣/ ٧٥.