المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨٨ - حديث أنطونس السائح
يمن اللَّه علينا بطول مدتك، فقال: دعوا هذه المقالة و أقبلوا على ما وصفت لكم، فلم تمض غير ليلة حتى هلك، فدب أولئك الثلاثة إلى الستة، فصار كل رجلين من الستة يدعوان إلى رجل من الثلاثة، فلما رأى ذلك حكماؤهم قالوا: قد افترقت كلمتهم و بحضرتكم من لا يتهم في حكمه فمن أشار إليه [منكم] [١] سلمتم هذا الأمر له، و كان بحضرتهم رجل سائح يقال له انطونس في غار معروف قد تخلى عن الدنيا، فاجتمعت كلمتهم على الرضا بمن أشار إليه السائح، فوكلوا بالمملكة رجلا من الستة و انطلق الثلاثة إليه يقصون عليه قصتهم، فقال: ما أرى أني انتفعت باعتزالي عن الناس، و مثلي كمثل رجل كان في منزل/ غشيه فيه الذباب، فتحول إلى منزل فغشيه فيه الأسد، فقالوا: و ما عليك أن تشير إلى أفضلنا في نفسك؟ قال: ما علمي بأفضلكم و أنتم جميعا تطلبون أمرا واحدا، و أنتم فيه سواء. فطمع بعضهم إن هو أظهر الكراهية للملك أن يشير إليه، فقال: أما أنا فغير منساح لصاحبيّ هذين [في الملك] [٢]، و إن السلامة لدي لفي اعتزال هذا الأمر، قال السائح: ما أظن صاحبيك يكرهان اعتزالك، فأشر إليّ بأحدهما و أتركك، قال: بل تختار ما بدا لك، قال: ما أراك إلا قد نزعت عن قولك فصرتم عندي بمنزلة واحد غير أني سأعظكم و أضرب لكم أمثال الدنيا و أمثالكم فيها و أنتم أعلم، فأخبروني هل عرفتم غايتكم من العمر؟ قالوا: لا لعل ذلك يكون طرفة عين، قال: فلم تخاطرون بهذه الغرة؟ قالوا: رجاء طول المدة، قال: كم أتت عليكم سنة؟ قالوا:
أصغرنا ابن خمس و ثلاثين، و أكبرنا ابن أربعين، قال: فاجعلوا أطول ما ترجون من العمر مثل سنيكم التي عمرتم [٣]، قالوا: لسنا نطمع في أكثر من ذلك، و لا خير في العمر بعد ذلك، قال: أ فلا تبتغون فيما بقي من أعماركم ما ترجون من ملك لا يبلي، و نعيم لا يتغير، و لذة لا تنقطع، و حياة لا يكدرها الموت، و لا تنغصها الأحزان و لا الهموم و لا الأسقام؟ قالوا: إنا نرجو أن نصيب ذلك بمغفرة من اللَّه و رحمة، قال: قد كان من أصابه العذاب من القرون الأولى يرجون من اللَّه ما ترجون، و [لا] [٤] يؤملون ما
[١] ما بين المعقوفتين: أضيفت لاستقامة المعنى.
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٣] في ت: «التي غبرتم».
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من ت.