المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٢ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
صبي وردته و قد شب و كبر، فقالت أمه: ألبسوه الطوق، فقال خاله جذيمة: «شبّ عمرو عن الطوق». فذهبت مثلا.
و سار إلى الزّباء، فلما صار معه نزل فتصيّد و أكل و شرب، و استغنى بالمشورة [١] و الرأي من أصحابه، فسكت القوم و افتتح الكلام قصير بن سعد، فقال: أيها الملك، كل عزم لا يؤيد بحزم فإلى آخر ما يكون كون فلا يثق به خرف قول لا محصول له، و لا يعقد [٢] الرأي بالهوى فيفسد، و لا الحزم بالمنى فينفذ، و الرأي عندي للملك أن يعقب [٣] أمره بالتثبت، و يأخذ حذره بالتيقظ، و لو لا أن الأمور تجري بالمقدور لعزمت على الملك عزما بتّا أن لا يفعل.
فأقبل جذيمة على الجماعة فقال: ما عندكم أنتم في هذا الأمر؟ فتكلموا بحسب ما عرفوا من رغبة الملك في ذلك و صوّبوا رأيه، و قوّوا عزمه، فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة، و الصواب ما رأيتم، فقال قصير: «أرى القدر سابق بالحذر [٤] فلا يطاع لقصير أمر». فأرسلها مثلا.
و سار جذيمة فلما قرب من ديار الزّباء نزل فأرسل إليها يعلمها بمجيئه، فرحبت به، و أظهرت السرور [٥] و الرّغبة به، و أمرت أن تحمل إليه الأموال [٦] و العلو، فأتت و قالت لجندها، و خاصة أهل مملكتها و عامة أهل دولتها: تلقوا سيدكم و ملك دولتكم.
و عاد الرسول إليه بالجواب بما رأى و سمع، فلما أراد جذيمة أن يسير، دعا قصيرا، فقال: أنت على رأيك؟ قال: نعم و قد زادت [بصيرتي فيه، أ فأنت على عزمك؟
قال: نعم و قد زادت] [٧] رغبتي فيه. فقال قصير: ليس للأمور بصاحب من لم ينظر في العواقب، و قد يستدرك الأمر قبل فوته، و في يد الملك بقية هو بها متسلط على استدراك
[١] في ت: «و أسقاه المشورة».
[٢] «و لا يعقد» كذلك في ت.
[٣] في ت: «يتعقب».
[٤] في ت: «إن القدر سابق الحذر».
[٥] في الأصل: «السرو».
[٦] في ت: «الأنزال».
[٧] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و أثبتناه من ت.