المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٠ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: حدّثنا ابن محمد الكلبي، عن أبيه [١]، قال:
كان جذيمة بن مالك ملكا على الحيرة و على ما حولها من السواد- ملك ستين سنة- و كان به وضح، و كان شديد السلطان، قد خافته العرب، و تهيبه العدو، فتهيبت العرب أن يقولوا الأبرص، فقالوا: الأبرش. فغزا مليح بن البراء، و كان ملكا على الحضر [٢]، و هو الحاجز بين الروم و الفرس.
و هو الّذي ذكره عدي بن زيد في قوله:
و أخو الحضر إذ بناه و إذ دجلة * * * تجبى إليه و الخابور
[٣] فقتله جذيمة، و طرد الزّباء إلى الشام، فلحقت بالروم، و كانت عربية اللسان، حسنة البيان، شديدة السلطان، كبيرة الهمة.
قال ابن الكلبي: و لم تكن في نساء عصرها أجمل منها، و كان اسمها: فارعة، و كان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها، و إذا نشرته جللها، فسميت الزّباء.
قال ابن الكلبي: فبعث عيسى ابن مريم بعد قتل أبيها، فبلغت بها همتها أن جمعت الرّجال، و بذلت الأموال، و عادت إلى ديار أبيها و مملكته، فأزالت جذيمة الأبرش [٤] عنها، و ابتنت على عراقي الفرات مدينتين متقابلتين من شرقي الفرات و غربيه، و جعلت بينهما نفقا تحت الفرات، فكان إذا رهقها عدو أوت إليه و تحصّنت به، و كانت قد اعتزلت الرّجال، فهي عذراء بتول، و كان بينها و بين جذيمة مهادنة، فحدث جذيمة/ نفسه بخطبتها، فجمع خاصته فشاورهم في ذلك، و كان له ابن عم يقال له:
قصير بن سعد، و كان عاقلا لبيبا، و كان خازنه و صاحب أمره و عميد دولته، فسكت القوم و تكلم قصير فقال: أبيت اللعن أيها الملك، إن الزّباء امرأة قد حرّمت الرّجال، فهي
[١] حذف السند في ت و كتب بدلا منه: «أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون حدثنا أحمد الخطيب بإسناده عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال».
[٢] في الأصل: «الحصين».
[٣] الخابور: اسم لنهر كبير بين رأس عين و الفرات من أرض الجزيرة. و البيت ذكره الطبري ٢/ ٥٠ مع غيره.
[٤] «الأبرش» سقطت من ت.