المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩٠ - حديث أنطونس السائح
قالوا: ما اللذات؟ قال: المال، و البنون، و الأزواج، و السلطان [١]، فقطعتهن بالهموم و الأحزان و الخوف و ذكر الموت. و قطعت ذلك أجمع بالعزلة، و أي خير في لذة و الموت يعقبها، كونوا كرجل خرج مسافرا فغشي مدينته العدو فأصابوا أهلها، فحمد اللَّه على ما صرف/ عنه [٢]، [و لقد عجبت كيف ينتفعون بلذتها مع همومها و أحزانها و ما تجرعهم] [٣] من مرارتها بعد حلاوتها، و اشتد عجبي من أهل العقول، كأنهم يريدون أن يهلكوا كما هلك صاحب الحية، قالوا: أخبرنا كيف كان أمر صاحب الحية؟
قال: زعموا أن رجلا كان في داره حية قد عرفوه مكانها، و كانت تلك الحية تبيض كل يوم بيضة من ذهب، فخرجت يوما فنهشت عنزا لهم حلوبا فهلكت، فجزع الرجل و أهله، و قالوا: الّذي نصيب من الحية أفضل من ثمن العنز، فلما كان رأس الحول غدت على خمار فنهشته فقتلته، فجزع الرجل و قال: سنصبر على هذه الآفات ما لم تعد البهائم. ثم مر عامان لا تؤذيهم و هم مسرورون بجوارها إذ عدت على عبد الرجل فنهشته فهلك، فجزع و قال: ما آمن أن يلسع بعض أهلي فمكث حزينا خائفا و قال: أرى سم هذه الحية في مالي و أنا أصيب منها أفضل مما رأيت. فلم يلبث إلا يسيرا حتى نهشت ابن الرجل، فارتاع و دعا بالدرياق و غيره فلم يغن عنه، و هلك الغلام، فاشتد جزع والديه و نسيا كل لذة أصاباها و قالا: لا خير لنا في جوار هذه الحية، و الرأي قتلها.
فلما سمعت الحية ذلك تغيبت عنهم أياما لا يرونها و لا يصيبون من بيضها، فلما طال ذلك عليهما تاقت أنفسهما إلى ما كانا يصيبان منها، فأقبلا على حجرها و جعلا يقولان:
ارجعي و لا تضرينا و لا نضرك، فرجعت فمكثت عامين لا ينكرون منها شيئا، ثم دنت إلى امرأة الرجل فنهشتها، فصاحت، فثار زوجها يعالجها بالدرياق فلم يغن عنها، و هلكت المرأة، فبقي الرجل كئيبا، و أظهر أمر الحية لإخوانه و أهل وده، فأشاروا عليه بقتلها، و قالوا: لقد فرطت في أمرها حين تبين لك غدرها، و لقد كنت مخاطرا بنفسك، فعزم على قتلها. فبينا هو يراصدها [اطلع في] [٤] حجرها، فرأى فيه درة/ صافية وزنها
[١] «بخصال أربع ... و السلطان»: سقطت من ت.
[٢] في الأصل: «عنهم».
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.