أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١٢
أو الحياة فإنّه كثيراً ما يترك بعض آراء الحي أيضاً في زمان حياته لظهور رأي أقوى منه.
٢- الاستصحاب، وهو استصحاب بقاء الرأي أو بقاء الحكم.
أمّا استصحاب بقاء الرأي فإستشكل في بأنّ الميّت لا رأي له.
إن قلت: إنّ هذا ينافي القول ببقاء النفس الناطقة، بل قد يقال: إنّ الإنسان يكون بعد مماته أعلم وأفقه «فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ».
قلنا: إنّ مسألة بقاء النفس الناطقة ونحوها من التدقيقات العقليّة لا يفهمها العرف فإنّه يحكم ببطلان الرأي بعد الموت وبأنّ الميّت لا رأي له، ولا ريب في أنّ المعتبر في باب الاستصحاب إنّما هو بقاء الحالة السابقة عند العرف فتأمّل.
وأمّا استصحاب الحكم (بأن يقال: كانت صلاة الجمعة واجبة على المقلّد فالآن أيضاً واجبة عليه) فإستشكل فيه المحقّق الخراساني بأنّ الأمارات الشرعيّة لا يتولّد منها الحكم، بل مفادها إنّما هو المنجّزية والمعذورية فحسب.
ولكن قد مرّ الإشكال في أصل المبنى كراراً.
والصحيح في المقام أن يقال: أمّا استصحاب بقاء الرأي فالحقّ أنّه لا حاجة إليه لأنّ آراء الفقيه ليست عبارة عن الصورة الذهنيّة له حتّى تضمحلّ بموته، بل إنّ آراءه هى نفس ما كتبه في كتبه الفقهيّة، وهو ممّا لا شكّ فيه حتّى يستصحب بقاؤه، والمحتاج إلى الاستصحاب إنّما هو بقاء حجّية هذه الآراء المكتوبة وهو نفس استصحاب بقاء الحكم، وقد ذكرنا في محلّه أنّ إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكميّة مشكل جدّاً.
إن قلت: لو جاز تقليد الميّت بحكم الاستصحاب لجاز تقليد الحي إذا عرضه النسيان أيضاً لبقاء آرائه في كتبه مع أنّه غير جائز.
قلنا: لا نسلّم عدم الجواز بالنسبة إلى آرائه السابقة، نعم لا يجوز الإعتماد على آرائه في الحال.
الثالث: إطلاقات أدلّة التقليد، لصدق عنوان أهل الذكر مثلًا على الميّت أيضاً بلحاظ زمان صدور الرأي فإنّ المشتقّ حقيقة فيمن تلبّس بالمبدأ حال النسبة لا حال النطق.
وإن شئت قلت: لابدّ أن يكون من يرجع إليه العامي من أهل الذكر والعلم عند صدور الرأي منه، ولا شكّ أنّه كان كذلك حال صدور هذه الآراء.