أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩١ - التنبيه الحادي عشر لزوم كون المستصحب حكماً شرعيّاً أو ذا حكم شرعي ولو بقاءً
القضايا الحقيقيّة، فلا يقين سابق بهذا العدم حتّى يمكن استصحابه.
قلنا: أوّلًا: إنشاء الأحكام كذلك في الأزل لغو لا يصدر من الشارع الحكيم.
ثانياً: وجود الأحكام على نهج القضايا الإنشائية الحقيقيّة في علم اللَّه من الأزل لا معنى محصّ له، لأنّ الإنشاء أمر حادث ووعاؤه الذهن، فلابدّ فيه من وجود ذهن نبوي أو ولوي، والذي كان اللَّه تبارك وتعالى عالماً به إنّما هو صدور الإنشاء من جانبه فيما بعد، لا أنّه صدر.
ثالثاً: يمكن دعوى الإجماع على عدم وجود هذه الأحكام حتّى بصورها الإنشائيّة في الأزل، بل قبل بعث النبي صلى الله عليه و آله، لأنّ الإجماع حاصل على نزول الأحكام تدريجياً، والقول بنزول القرآن عليه صلى الله عليه و آله مرّتين: مرّة دفعيّاً ومرّة تدريجيّاً أيضاً لا ينافي ما ذكرنا فإنّه على كلّ حال أمر حادث بعد البعثة.
بقي هنا شيء:
وهو أنّه قد لا يمكن جريان استصحاب العدم الأزلي، لا لعدم تصوّره، بل لإشكال آخر، وذلك في الشبهات الموضوعيّة فيما إذا كانت من قبيل العدم النعتي، أي فيما إذا كان الوصف قائماً بالغير بنحو كان الناقصة كقرشية المرأة، فلا يمكن استصحاب عدم قرشيتها، وعلى نحو كلّي لا يمكن جريان الاستصحاب في مفاد ليس الناقصة (وإن كان المعروف بين جماعة من الأعلام جريانه) وذلك لما قد قرّر في محلّه من اعتبار وحدة القضيّة المتيقّنة والقضية المشكوكة، وهى ليست حاصلة في المقام، لأنّ القضية المتيقّنة فيه عبارة عن القضيّة السلبة بانتفاء الموضوع، والقضيّة المشكوكة سالبة بانتفاء المحمول، أي عدم قرشية هذه المرأة، ولا ريب في مغايرة إحدى القضيتين الاخرى في نظر العرف.
أضف إلى ذلك أنّ القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع أمر غير معقول عند العرف، كما لا يخفى على الخبير، فلا يمكن عند العرف أن يقال: إنّ هذه المرأة لم تكن قرشية حين عدم وجودها فلتكن في الحال كذلك.
وهذا في الواقع يرجع إلى عدم وجود يقين سابق عرفاً، فأركان الاستصحاب حينئذٍ غير تامّة من جهتين.