أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٢ - ثمرة هذا البحث
ورابعاً: ظاهر قوله تعالى: «كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ» إنّ كلّ ذلك كان أمراً صورياً وتوطئة لإبقاء يوسف أخاه عنده، لا أمراً واقعياً حتّى يستفاد منه حكم فقهي.
وخامساً: أنّ قول المؤذّن: «وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ» ليس من قبيل ضمان ما لم يجب الذي ثبت عدم جوازه، فالمختار كما ذكرنا في محلّه أنّ الدين الذي لم يتحقّق بعد ولكن تحقّقت مقتضياته جائز ضمانه، وليس هو من باب ضمان ما لم يجب، وذلك نظير ما هو رائج في زماننا عند العقلاء من مطالبة الضامن للأجير أو الخادم لأجل الخسارات التي يحتمل تحقّقه في المستقبل، ونظير عقد التأمين لو أدخلناه في باب الضمان فإنّ الضمان في مثل هذه الموارد جائز وغير داخل تحت الإجماع القائم على عدم جواز ضمان ما لم يجب، لحصول مقتضى الضمان فيها، ولا إجماع على البطلان في مثله.
٤- ما يستفاد من قصّة يحيى في قوله تعالى: «فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الِمحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ» [١] من جواز ترك النكاح واستحبابه، لأنّ الحصور في اللغة بمعنى تارك النكاح.
واجيب عنه أيضاً: أوّلًا: بأنّه من قبيل المدح على المنكشف لا الكاشف، كما إذا مدحنا من ردّ بعض الهدايا لكونه كاشفاً عن علوّ طبعه وغنى نفسه، مع أنّ الكاشف وهو ردّ الهدية مذموم، فمدح يحيى لكونه حصوراً وتاركاً للنكاح لعلّه كان من باب إنّه كاشف عن شدّة ورعه وكفّ نفسه عن الشهوات، كما احتمله بعض المفسّرين فتأمّل.
وثانياً: لا دليل على كون الحصور بمعنى تارك النكاح فإنّه في اللغة من مادّة الحصر بمعنى المنع عن المعصية وكفّ النفس عن الشهوات فيكون بمعنى المتّقي والوَرع.
وثالثاً: لعلّ هذا كان حكماً خاصّاً لشخص يحيى عليه السلام وكذلك عيسى عليه السلام، وذلك لما كان لهما من شرائط خاصّة فإنّ عيسى عليه السلام لا يزال كان مشتغلًا بالتبليغ عن مذهبه والتردّد من بلد إلى بلد وكذلك يحيى، حيث إنّه كان مبلّغاً لشريعة عيسى عليه السلام، ولا إشكال في جواز ترك النكاح لمصلحة أهمّ.
ورابعاً: من أركان الاستصحاب الشكّ اللاحق، ولا شكّ لنا في استحباب النكاح كما
[١] سورة آل عمران: الآية ٣٩.