أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٤ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
الأعصار السابقة، بينما هى راجحة في زماننا، لا أقلّ في بعض البلاد التي تكون كثرة النفوس فيها موجبة للفقر الشديد والتأخّر والمفاسد الأخلاقيّة العظيمة.
فإنّ ما ورد في الترغيب على تكثير النسل والمواليد كالنبوي المعروف: «تناكحوا تكثروا فإنّي اباهى بكم الامم يوم القيامة ولو بالسقط» [١] ناظرة إلى الأعصار السابقة التي كانت كثرة النفوس فيها سبباً للقدرة والسلطة، فما كان من الجوامع الإنسانيّة أكثر نفراً كان أشدّ قدرة وأكثر قوّة كما يشهد عليه قوله تعالى: «كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً» [٢]. وقوله تعالى: «وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً» [٣]، وقوله تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ» [٤] وقوله تعالى: «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ... وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ» [٥] فهذه الآيات تدلّ بظاهرها على أنّ كثرة الأولاد كانت موجبة للقدرة والشوكة كما كانت كثرة الأموال أيضاً كذلك، ومثل النبوي المعروف قد ورد في مثل هذا الظرف من المجتمع الإنساني، فهذه الخصيصة الاجتماعية الموجودة في عصر صدوره تكون بمنزلة قرينة لبّية قد توجب انصرافه إلى خصوص ذلك الزمان، وهذه الدعوى وإن لم تكن ثابتة بالقطع واليقين، ولكنّها قابلة للدقّة والتأمّل.
فقد ظهر ممّا ذكر دخل الزمان والمكان في الاجتهاد والاستنباط لكن لا على نحو دخلهما في الحكم بلا واسطة بل من طريق دخلهما في الموضوع، فإنّ الأحكام ثابتة إلى الأبد، «وحلال محمّد صلى الله عليه و آله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»، والمتغيّر على مرّ الدهور والأزمان، والمتبدّل في الأمكنة والأقطار إنّما هو الموضوعات، وبتبعها تتغيّر الأحكام قهراً.
[١] بحار الأنوار: ج ١٠٣ ص ٢٢٠ ح ٢٤.
[٢] سورة التوبة: الآية ٦٩.
[٣] سورة سبأ: الآية ٣٥.
[٤] سورة الحديد: الآية ٢٠.
[٥] سورة نوح: الآية ١٢.