أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦١ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
هذا مضافاً إلى ما قد مرّ سابقاً من وجوب الاقتصار على المرجّحات المنصوصة (وليس هذا منها).
نعم، هيهنا أبحاث من علم المعاني والبيان كمسألة تقديم ما حقّه التأخير، وأبواب المجاز والحقيقة والكنايات والاستعارات، يكون لها دخل في فهم الأحكام عن الأدلّة اللفظيّة، ولكنّها مسائل يبحث عنها في علم الاصول أيضاً، وأمّا غيرها من سائر مسائل هذا العلم فلا أثر لها في الاستنباط، نعم قد يقال: إنّ لها أثراً مع الواسطة من حيث دخلها في تبيين كون كتاب اللَّه معجزة خالدة.
بقي هنا أمران:
الأوّل: لا شكّ في أنّ القواعد الفقهيّة لها دور عظيم في استنباط الأحكام الفرعيّة، ولعلّ عدم ذكرها في العلوم التي يبتني عليها الاستنباط من باب عدّهم إيّاها من الفقه نفسه، ولكن قد ذكرنا في محلّه أنّها علم برأسه وليست من اصول الفقه، كما أنّها ليست من الفقه نفسه فراجع [١].
الثاني: لا ينبغي الشكّ في أنّ للزمان والمكان دخلًا في الاجتهاد.
وتوضيحه: أنّ لكلّ حكم موضوعاً، والمعروف في الألسنة أنّ تشخيص الموضوع ليس من شؤون الفقيه، ولكن الصحيح أنّه لا يمكن للفقيه تجريد الذهن وتفكيك الخاطر عنه، فإنّ لموضوعات الأحكام مصاديق معقّدة غامضة لا يقدر العوام على تشخيصها، بل لابدّ للفقيه تفسيرها وتبيين حدودها وخصوصياتها، كما يشهد على ذلك أنّ كثيراً من الفروعات المعنونة في الكتب الفقهيّة (كالمبسوط للشيخ، والقواعد للعلّامة، والعروة الوثقى للسيّد اليزدي رحمهم الله) هى من هذا القبيل.
وإن شئت قلت: إن كان المراد من الموضوع في المقام هو الموضوعات الجزئيّة، أي مصاديق الموضوعات الكلّية للأحكام، كمصاديق الدم والخمر والماء المطلق والمضاف
[١] راجع مقدّمة المجلّد الأوّل من القواعد الفقهيّة.