أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٦ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
إن قلت: لازم هذا البيان عدم صدق الاجتهاد والاستنباط على اجتهاد زنديق يكون من فحول علماء علم الاصول (فرضاً) وعالماً في سائر مباني الاستنباط، وهو كما ترى.
قلنا: يعتبر في صدق الاجتهاد تحصيل العلم بالحجّة، وهو لا يحصل لمثل هذا المفروض، وبما أنّه فرض غير واقعي لا ينبغي البحث فيه أكثر من هذا.
وأمّا علم اصول الفقه، فلزومه وشدّة الحاجة إليه في الاستنباط من القضايا قياساتها معها، كما يلوح به تعريف علم الاصول بأنّه هو العلم بقواعد تقع في طريق الاستنباط.
إن قلت: فما دعوى الأخباريين في مقابل الاصوليين وعدّ بعضهم إيّاه من البدعة في الدين؟
قلنا: لا إشكال في أنّ قسماً من النزاع بين الطائفتين لفظي، لأنّ المحدّث الاسترابادي نفسه مثلًا محتاج أيضاً في إثبات الأحكام الشرعيّة إلى حجّية خبر الواحد وحجّية ظواهر الألفاظ، وإلى ملاحظة إمكان الجمع الدلالي، ثمّ العلاج السندي عند تعارض الأدلّة، وإلى الرجوع إلى الاصول العمليّة عند فقدان النصّ (ولو كان الأصل عنده خصوص أصالة الاحتياط) ولا يخفى أنّ هذه المسائل من أهمّ مسائل علم الاصول.
ويشهد عليه ملاحظة ما بحث عنه صاحب الحدائق (وهو من المحدّثين المعروفين) في مقدّمات الحدائق، وهى إثنتا عشرة مقدّمة في ١٧٠ صفحة، ومن تلك المقدّمات حجّية خبر الواحد (وهو المقدّمة الثانية) ومنها مدارك الأحكام الشرعيّة، ومن جملتها حجّية ظواهر الكتاب والإجماع وأصالة العدم وأصالة البراءة في الشبهات الوجوبيّة ومقدّمة الواجب، ومسألة أنّ الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضدّه أم لا؟ وقياس الأولوية، وقياس منصوص العلّة (وهذه كلّها هى المقدّمة الثالثة) ومنها التعارض بين الأدلّة (وهو المقدّمة السادسة) ومنها مسألة أنّ مدلول الأمر والنهي هل هو الوجوب والتحريم أو لا؟ (وهو المقدّمة السابعة) ومنها ثبوت الحقيقة الشرعيّة وعدمه (المقدّمة الثامنة) ومنها معنى المشتقّ (المقدّمة التاسعة) ومنها حجّية دليل العقل وعدمها (المقدّمة العاشرة) وقد ذكر في المقدّمة الحادية عشرة جملة من القواعد الفقهيّة فراجع.
فلا ريب في أنّ البحث والنزاع بين الطائفتين في هذا القسم من الاصولي لفظي.