أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٠ - الأمر الثاني الاجتهاد بالمعني العام والاجتهاد بالمعنى الخاصّ
فالعقول» [١]، وهكذا جمعت مدرسة أهل البيت عليهم السلام بين حماية الشريعة من فكرة النقص وحماية العقل من مصادرة الجامدين (انتهى) [٢].
ومن هنا يتّضح أنّهم لماذا سدّوا باب الاجتهاد في النهاية فإنّ هذا التفريط من نتائج ذلك الإفراط ولوازمه القهرية كما لا يخفى.
وكيف كان، لابدّ من تحديد نظر علماء الإماميّة في هذا المجال وأنّهم لماذا ردّوا هذا النوع من الاجتهاد بل حملوا عليه حملة شديدة فنقول: إنّه يمكن الاستناد في بطلانه إلى وجوه شتّى:
الأوّل: ما يدلّ من آيات الكتاب العزيز على أنّه لا واقعة إلّاولها حكم وبيان في القرآن الكريم نظير قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» [٣] وقوله تعالى: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ» [٤] (والمراد من «كلّ شيء» كلّ ما له دخل في هداية نفوس الإنسان وتربيتها).
الثاني: الأخذ بحديث الثقلين فإنّ أحدهما هو عترة الرسول عليهم السلام، ومع وجودهم لا يحسّ فقدان نصّ، لأنّ ما كان يصدر منهم كان من جانب الرسول صلى الله عليه و آله لا من عند أنفسهم فكان البيان الشرعي لا يزال مستمرّاً باستمرار الأئمّة، وفقهاء العامّة حيث إنّهم كانوا يعتقدون بأنّ البيان الشرعي متمثّل في الكتاب والسنّة النبويّة المأثورة عن الرسول فقط، وهما لا يفيان إلّا بشيء قليل من حاجات الإستنباط- بل حكي عن أبي حنيفة (الذي كان على رأس مذهب الاجتهاد بالمعنى الخاصّ أو من روّاده الأوّلين) أنّه لم يكن عنده من الأخبار الصحيحة المنقولة عن النبي صلى الله عليه و آله إلّاخمسة وعشرون حديثاً- التجأوا لرفع هذه الحاجات إلى هذا النوع من الاجتهاد لإحساسهم خلأً قانونياً في الشريعة ونقصاناً في الأحكام الفرعية لابدّ في رفعه إلى التمسّك بذيل القياس ونحوه.
الثالث: روايات متواترة تدلّ على أنّه ما من شيء تحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة إلّإ
[١] اصول الكافي: ج ١، ص ١٣ ح ١٢.
[٢] المعالم الجديدة للمحقّق الشهيد محمّد باقر الصدر قدّس اللَّه نفسه الزكية وشكر اللَّه مساعيه الجميلة: ص ٤١.
[٣] سورة المائدة: الآية ٣.
[٤] سورة النحل: الآية ٨٩.