أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٢ - الفصل الثالث في انقلاب النسبة
أحدهما: هل التخصيص يتعلّق بالإرادة الجدّية، أو الإرادة الاستعماليّة؟ وتوضيحه: أنّ للفظ إرادتين: إرادة استعماليّة وهى ما يستعمل فيه اللفظ، وإرادة جدّية وهى ما يكون المقصود من الاستعمال، والسؤال هنا هو أنّ متعلّق التخصيص هل هو الإرادة الجدّية، أو الإرادة الاستعماليّة؟
المعروف والمشهور أنّه يتعلّق بالإرادة الجدّية، ولذلك لا يلزم منه مجاز، لأنّ باب المجاز والحقيقة باب اللفظ وما استعمل فيه اللفظ لا المعنى والمراد، وقد مرّ البحث عنه تفصيلًا في مباحث العام والخاصّ تحت عنوان «التخصيص بالمنفصل إنّما هو في الإرادة الجدّية لا الإرادة الاستعماليّة» وهو المختار هناك.
ثانيهما: هل المعيار في تعارض الدليلين هو الإرادة الاستعماليّة أو الإرادة الجدّية؟
لا إشكال في أنّ الميزان في التعارض إنّما هو الإرادة الاستعماليّة، لأنّ الدليلين يتعارضان ويتضادّان في ظهورهما الاستعمالي واللفظي كما هو واضح.
ثمّ بعد ملاحظة هاتين النكتتين يظهر لنا أنّه لا وجه لانقلاب النسبة، لأنّ تخصيص العام بالخاصّ الأوّل إنّما هو في الإرادة الجدّية ولا ربط له بالإرادة الاستعماليّة، وحينئذٍ يبقى الظهور الاستعمالي للعام على حاله الذي كان هو المعيار في التعارض، ولابدّ بعد التخصيص بالخاصّ الأوّل من ملاحظة النسبة بين الخاصّ الثاني وهذا الظهور الاستعمالي للعام الباقي على قوّته.
والذي يؤيّد ذلك هو سيرة الفقهاء العمليّة في الفقه، فإنّهم لا يلاحظون تاريخ الخصوصيّات ولا يقدّمون التخصيص بأحد الخاصّين على التخصيص بالخاصّ الآخر بل يخصّصون العام بكليهما في عرض واحد.
نعم، قد يستثنى منه ما إذا كانت المخصّصات بمقدار من الكثرة يوجب الاستهجان عرفاً، فيكون النسبة بين الخصوصات والعام من قبيل المتباينين، فربّما يكون طريق الجمع فيه إسقاط العام عن ظهوره في الوجوب أو الحرمة وحمله على الاستحباب أو الكراهة.
ثمّ إنّ جماعة من الأعلام أشاروا إلى أمرين آخرين:
أحدهما: هو البحث عن مسألة الضمان في عارية الذهب والفضّة التي هى من موارد تعارض أكثر من دليلين ومن مصاديقه وتطبيقاته، ولكننا نتركه إلى محلّه في الفقه لأنّه بحث فقهي خاصّ لا يليق إلّابالفقه كما لا يخفى على الخبير.