أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٧ - الأمر الأوّل الاقتصار على المرجحات المنصوصة وعدمه
يدلّ إلّاعلى أنّ الخبر الذي يكون معه هذا المرجّح يؤخذ به لكونه معه أقرب إلى الواقع في نظر الشارع لا في نظر الناظر، ومن المعلوم أنّه لا يصحّ لنا التعدّي إلى كلّ خبر يكون معه شيء يرجّح في نظرنا مطابقته للواقع [١].
ويمكن الجواب عنه أيضاً بأنّ المدّعى جواز التعدّي إلى كلّ مزية توجب لنا العلم بكون ذيّها أقرب إلى الواقع وهو علم طريقي لا يمكن للشارع مخالفته.
فالصحيح في المناقشة في الحديث ما ذكرنا من الإشكال السندي والدلالي.
الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ الأعظم رحمه الله في رسائله ولم يأت به المحقّق الخراساني في الكفاية لضعفه عنده، وهو النبوي المعروف «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ببيان أنّ من المعلوم كون المراد من عدم الريب هو عدم الريب بالإضافة إلى الآخر لا عدم الريب مطلقاً وإلّا كان مقابله ممّا لا ريب في بطلانه.
والجواب عنه: أنّ الظاهر من هذا الحديث أيضاً عدم الريب مطلقاً، وحينئذٍ يخرج عمّا نحن فيه ويدخل في الشبهة البدوية التحريميّة، ولذلك استدلّ به الأخباريون على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريميّة، ويشهد على هذا المعنى ما ورد في ذيل الحديث على نقل الكراجكي في كنز العمّال (على ما حكي عنه) وهو قوله صلى الله عليه و آله: «فإنّك لن تجد فقد شيء تركته للَّه عزّوجلّ» حيث إنّ المناسب لهذا التعليل أن يكون المراد من ما يريبك هو الشبهات البدوية، ومن ما لا يريبك هو الاحتياط في هذه الشبهة برجاء ثوابه تعالى.
هذا- مضافاً إلى إرساله.
إلى هنا ظهر عدم تمامية شيء ممّا استدلّ به القائلون لجواز التعدّي.
وأمّا القائلون بعدم جواز التعدّي فاستدلّوا بأنّه هو مقتضى الأصل والقاعدة، وهى إطلاقات التخيير، حيث إنّها تقتضي التخيير في كلّ حال إلّاما خرج بالدليل، وما خرج بالدليل إنّما هو ذو المزيّة بالمزايا المنصوصة فقط.
ويمكن تأييده بما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله بعنوان الدليل، وهو أنّه لو وجب التعدّي عن المرجّحات المنصوصة إلى كلّ مزية توجب أقربية ذيّها إلى الواقع لبيّن الإمام عليه السلام من الأوّل بنحو الضابطة الكلّية أنّه يجب الأخذ بالأقرب من الخبرين إلى الواقع من دون حاجة إلى ذكر
[١] درر الاصول: ص ٦٧٣، طبعة جماعة المدرّسين.