أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٩ - الأمر الأوّل في أدلّة حجّية القرعة
ثمّ إنّ شيخنا الأعظم رحمه الله قد فرّق بين الاصول الشرعيّة كالاستصحاب وبين الاصول العقليّة، فقال بورود الاصول الشرعيّة على القرعة خلافاً للُاصول العقليّة كالبراءة العقليّة فإنّ القرعة واردة عليها لأنّ موضوعها «لا بيان» والقرعة بيان.
وبما ذكرنا ظهر ضعف هذا الكلام لأنّ موضوع القرعة- كما قلنا- هو المجهول المطلق، وهو ليس حاصلًا حتّى في موارد البراءة والاحتياط العقليين، ولذلك لا يتمسّك حتّى الشيخ رحمه الله نفسه بذيل القرعة في أطراف العلم الإجمالي، مع أنّ وجوب الاحتياط فيها من الاصول العقليّة.
وتمام الكلام في مسألة القرعة وتحقيق مثل هذه المباحث يحتاج إلى رسم امور (وإن كان استيفاء البحث فيها موكولًا إلى محلّ آخر) [١].
الأمر الأوّل: في أدلّة حجّية القرعة
وقد يدلّ عليها الأدلّة الأربعة من الكتاب والسنّة والإجماع وبناء العقلاء (لا دليل العقل):
أمّا الكتاب: فهو آيتان إحديهما: قوله تعالى في قصّة زكريا وولادة مريم: «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» [٢] فإنّه بعد ما وقع التشاّح بين الأحبار لتعيين من يكفل مريم حتى بلغ حدّ الخصومة ولم يجدوا طريقاً لرفعه إلّا القرعة تقارعوا بينهم، فوقعت القرعة على زكريّا.
ثانيهما: قوله تعالى: «وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ» [٣] وقصّة يونس (إباقه من قومه ثمّ وروده في سفينة ووقوع القرعة عليه ثلاث مرّات) معروفة.
إن قلت: إنّ الآيتين وردتا في الشرائع السابقة، وقد مرّ أنّ الأقوى عدم حجّية استصحابها للشريعة اللاحقة.
قلنا: إنّ تمسّكنا بهما في المقام ليس مبنيّاً على حجّية استصحاب الشرائع السابقة، بل مبنى
[١] راجع كتابنا القواعد الفقهيّة: المجلّد الأوّل من الطبعة الثانية، القاعدة السادسة.
[٢] سورة آل عمران: الآية ٤٠.
[٣] سورة الصافات: الآية ١٣٩- ١٤١.