أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٨ - التنبيه الثامن عشر النسبة بين الاستصحاب وسائر الاصول العمليّة
عمومه، فمجموع الرواية المذكورة (كلّ شيء مطلق ...) ودليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول:
«كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه النهي، وكلّ نهي ورد في شيء فلابدّ من تعميمه لجميع أزمنة احتماله» فتكون الرخصة في الشيء وإطلاقه (المستفاد من قوله كلّ شيء مطلق) مغيّى بورود النهي المحكوم عليه بالدوام وعموم الأزمان (بدليل الاستصحاب) فكان مفاد الاستصحاب نفي ما يقتضيه الأصل الآخر (البراءة الشرعيّة) في مورد الشكّ لولا النهي، وهذا معنى المحكومة» (انتهى).
وحاصل كلامه أنّ دليل البراءة الشرعيّة يقول: كلّ شيء مطلق ومرخّص حتّى يرد فيه نهي، ودليل الاستصحاب يقول: إنّ النهي السابق نهي في الزمان اللاحق أيضاً، فيرتفع به موضوع أصالة البراءة وهو عدم وجود النهي فيكون حاكماً عليه.
ولكن يرد عليه: أنّ المستفاد من دليل الاستصحاب إنّما هو عدم ترتّب آثار الشكّ في مقام العمل ولزوم ترتّب آثار اليقين السابق كذلك، لا أنّ النهي السابق موجود في الآن اللاحق، لأنّه ليس حاكياً عن بقاء النهي بحسب الواقع، وإلّا يلزم كونه من الأمارات.
وبعبارة اخرى: إمّا أن تلتزموا بكون الاستصحاب من الأمارات كما التزم به بعض الأعلام [١] ونتيجته أنّه مقدّم على البراءة الشرعيّة بالورود أو الحكومة، أو تجعلونه من الاصول العمليّة فلا وجه حينئذٍ لكونه مقدّماً من جهة الورود أو الحكومة، بل إنّه يعارض البراءة الشرعيّة ولابدّ حينئذٍ من ملاحظة الترجيح بين أدلّتهما. فنقول: أنّ وجه التقديم كون أدلّة الاستصحاب بعد ملاحظة التأكيدات الكثيرة والعبارات المترادفة المتعدّدة فيها أقوى وأظهر دلالة من أدلّة البراءة كما لا يخفى، فالمرجّح إنّما هو الأظهريّة والأقوائيّة في الدلالة، ويؤيّده ما قد يقال: من أنّ ألسنة بعض رواياته كقوله عليه السلام: «فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ» في الصحيحة الثانية لزرارة وقوله عليه السلام: «فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» في رواية محمّد بن مسلم آبٍ عن التخصيص لا سيّما بعد كون التعليل بأمر إرتكازي عقلي.
إلى هنا تمّ الكلام عن التنبيه الثامن عشر.
[١] في مصباح الاصول.