أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٨ - التنبيه التاسع بعض تطبيقات الأصل المثبت
قد يقال: أنّ الأحكام الوضعيّة على ثلاثة أقسام:
قسم منها ما يقع تحت يد الجعل ذاتاً واستقلالًا نظير الزوجيّة والملكيّة.
وقسم منها ما يقع تحت يد الجعل بمنشأ انتزاعه كالجزئيّة والشرطيّة للمكلّف به، فإنّ شرطيّة الطهارة أو مانعية النجاسة مجعول تبعي وأمره بيد الشارع وضعاً ورفعاً، لكن من طريق وضع منشأ انتزاعه ورفعه.
وقسم ثالث ما لا يكون مجعولًا للشارع لا نفسه ولا منشأ انتزاعه، لكونه من الامور التكوينيّة كشرائط التكليف، مثل دلوك الشمس للصلاة وغيره ممّا يكون داعياً وباعثاً للمولى على الحكم (ولكن قد ذكرنا سابقاً أنّ شرائط التكليف أيضاً ترجع إلى قيود الموضوع فتكن مجعولةً).
أمّا القسم الأوّل فقال المحقّق الخراساني رحمه الله بعدم كون الاستصحاب فيه مثبتاً، وأمّا القسم الثاني فقد يتوهّم كون الاستصحاب فيه مثبتاً لكونه من الامور الانتزاعيّة العقليّة لا الآثار الشرعيّة، ولكن أجاب عنه المحقّق الخراساني رحمه الله بأنّه أيضاً مجعول للشارع تبعاً بجعل منشأ انتزاعه فأمره أيضاً بيد الشارع وضعاً ورفعاً، فلا يكون الاستصحاب فيه مثبتاً، وأمّا القسم الثالث فمن الواضح أنّ الاستصحاب فيه مثبت.
أقول: أوّلًا: أنّ هذا النزاع أيضاً ممّا لا طائل تحته، لأنّه لا حاجة إلى استصحاب شرطيّة الطهارة مثلًا حتّى يقال بأنّه مثبت، بل يكفي استصحاب حكم تكليفي يوجد في جنب هذا الحكم الوضعي، وهو مفاد قوله تعالى «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ...» فيكفي استصحاب وجوب الوضوء عن استصحاب شرطيّة الوضوء للصلاة.
وثانياً: أنّ معنى الأصل المثبت في كلام المحقّق الخراساني رحمه الله في المقام نطاقه أوسع ممّا مرّ، حيث إنّه في ما سبق كان عبارة عن ترتيب الآثار الشرعيّة بوساطة الآثار العقليّة أو العادية على المستصحب، وفي المقام يعمّ ما إذا كان نفس المستصحب أو الأثر المترتّب عليه بلا واسطة أمراً عقيّاً ولم يكن له أثر شرعي، وبهذا يندفع ما أورده المحقّق الأصفهاني رحمه الله عليه من هذه الناحية.
٣- في أنّه لا فرق أيضاً في المستصحب أو المترتّب على المستصحب بين أن يكون هو ثبوت حكم ووجوده، أو نفيه وعدمه.