أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٠ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
بالأصالة، وموضوعة مستقلًا من ناحية الذهن بالمقايسة مع الخارج، ففي الملكيّة يجعل صورة فرضية للسلطنة على شيء كسلطنة الإنسان على أعضائه وجوارحه.
٧- ومنها الحجّية في باب الأمارات وغيرها من الحجج الشرعيّة والعقلائيّة، كحجّية خبر الواحد.
والتحقيق في هذا القسم مبنى على ملاحظة المباني المختلفة في باب الحجّية، ولذلك نقول:
لو كان المبنى أنّ الحجّية عبارة عن جعل حكم مماثل فمعنى حجّية خبر الواحد الدالّ على وجوب صلاة الجمعة أنّ الشارع جعل وجوباً ظاهرياً طريقيّاً لصلاة الجمعة مماثلًا لما في الواقع، فلا إشكال في أنّها حينئذٍ حكم تكليفي إذا كان الخبر دالًا على الحكم التكليفي، وحكم وضعي إذا كان الخبر دالًا على الحكم الوضعي لأنّ الحجّية حينئذٍ عبارة عن نفس الحكم المماثل المجعول.
ولو قلنا بأنّها عبارة عن المنجزية والمعذرية، أي أنّ إصابة الأمارة الواقع كانت منجّزة وإن أخطأت كانت عذراً، فيمكن أن يقال: أنّها من الأحكام الوضعيّة المجعولة بالأصالة لأنّ كونها مجعولة حينئذٍ ممّا لا ريب فيه، كما أنّ عدم كونها من الأحكام الخمسة التكليفيّة أيضاً ظاهر، فينطبق عليها تعريف الحكم الوضعي.
ولو قلنا بأنّها بمعنى إلغاء احتمال الخلاف فإمّا أن يكون المراد منه حينئذٍ الغاء الاحتمال بحسب الاعتقاد، أي تبديل صفة الظنّ باليقين فهو أمر محال غير معقول لأنّه أمر تكويني ليس في اختيار المكلّف، ولا يحصل بسبب الإنشاء، وأمّا أن يكون المراد إلغاء الاحتمال بحسب العمل فهو يرجع إلى الحكم التكليفي بالعمل، لأنّ معنى «الغ احتمال الخلاف» حينئذٍ «افعل هذا العمل وامش في مقام العمل طبقاً لمؤدّي الأمارة» وهو في الواقع يرجع إلى المعنى السابق، وهو إنشاء الحكم المماثل.
وهيهنا مبنى رابع للمحقّق النائيني، وهو ما مرّ منه في مبحث الأمارات من أنّ الحجّية عبارة عن جعل صفة العلم للظنّ، فبناءً عليه تكون الحجّية أيضاً من الأحكام الوضعيّة المجعولة بالأصالة كما لا يخفى.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ ما فعله المحقّق الخراساني رحمه الله من جعله الملكية ونحوها في عرض المناسب (أوّلًا) وجعله الحجّية في عرض الملكيّة والمناصب من دون أن يفصل بين المذاهب المختلفة في معنى الحجّية (ثانياً) في غير محلّه.