أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٢ - الأقوال الواردة في معنى الحديث
ولا يخفى أنّ نتيجة هذا القول حكومة قاعدة لا ضرر على قاعدة السلطنة فقط كما صرّح به.
أقول: يستدعي التحقيق في المسألة وبيان المختار فيها ونقد الأقوال المزبورة البحث في أمرين آخرين:
أحدهما: في كون كلمة «لا» الواردة في الحديث ناهية أو نافية؟
ثانيهما: في فاعل الضرر وأنّه هل هو الناس أو اللَّه سبحانه؟
أمّا الأمر الأوّل فإستدلّ شيخ الشريعة رحمه الله لكون «لا» ناهية بامور:
الأوّل: الإطّراد وشيوع هذا المعنى في هذا التركيب، أعني تركيب «لا» (التي وضعت لنفي الجنس أصالة) في الاستعمالات العرفيّة.
الثاني: كلمات أئمّة اللغة ومهرة أهل اللسان فادّعى أنّهم متّفقون على إرادة النهي في قوله صلى الله عليه و آله «لا ضرر ولا ضرار» فنقل في هذا المجال عبارات جماعة منهم.
الثالث: موارد استعمال مثل هذا التركيب في الكتاب والسنّة، نظير قوله تعالى: «فلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» وقوله تعالى: «فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَامِسَاسَ» أي لا يمسّ بعض بعضاً فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع، لا يمسّ أحداً ولا يمسّه أحد، عاقبه اللَّه تعالى بذلك، وكان إذا لقى أحداً يقول: لا مساس، أي لا تقربني ولا تمسّني، وفي السنّة نظير قوله صلى الله عليه و آله: «لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام» وقوله: «لا جلب ولا جنب ولا إعتراض» وقوله: «لا إخصاء في الإسلام» وقوله: «لا غشّ بين المسلمين» وقوله:
«لا هجر بين المسلمين فوق ثلاثة أيّام» ثمّ قال: «ولو ذهبنا لنستقصي ما وقع من نظائرها في الروايات واستعمالات الفصحاء نظماً ونثراً لطال المقال وأدّى الملال» ثمّ أيّد قوله بما جاء في قضيّة سمرة من قوله صلى الله عليه و آله: «إنّك رجل مضارّ» قبل قوله «لا ضرر ولا ضرار على مؤمن» حيث إنّهما بمنزلة صغرى وكبرى، ويصير معناه: إنّك رجل مضارّ والمضارّة حرام (أي منهية) وهو المناسب لتلك الصغرى، لكن لو اريد غيره ممّا يقولون صار معناه: إنّك رجل مضارّ والحكم الموجب للضرر منفي أو الحكم المجعول منفي في صورة الضرر، ولا أظنّ بالأذهان المستقيمة ارتضائه».