أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - الأمر الرابع في معنى الضرر والضرار
ثمّ قال: «قال ابن الأثير: قوله: لا ضرر، أي لا يضرّ الرجل أخاه، والضرار فِعال من الضرّ أي لا يجازيه على اضراره، والضرر فعل الواحد والضرار فعل الاثنين، والضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه، وقيل: الضرر ما تضرّ به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضرّه من غير أن تنتفع، وقيل هما بمعنى، وتكرارهما للتأكيد».
فقد ذكر إلى هنا أربعة معانٍ تكون هى الأساس والعمدة من المعاني التي ذكرناها في كتابنا القواعد الفقهيّة:
١- أن يكون الضرار بمعنى الضرر.
٢- أنّه الاضرار بالغير بما لا ينتفع به بخلاف الضرر فإنّه الاضرار بما ينتفع.
٣- أنّه فعل الاثنين والضرر فعل الواحد.
٤- أنّه المجازاة على الضرر والمقابلة بالمثل.
وأمّا تفسيره بالتعمّد بالضرر فيرجع إلى المعنى الثاني، أي الاضرار بالغير بما لا ينتفع به.
هذا ما يستفاد من لسان العرب، وسائر كتب اللغة اختار كلّ واحد منها بعض هذه الأربعة، نعم ذكر في القاموس أنّه بمعنى الضيق، وسيأتي ما فيه في آخر البحث.
وبهذا يظهر أنّ تعيين معنى «الضرار» بالطريق الأوّل مشكل جدّاً.
وأمّا الطريق الثاني، وهو الإطراد وكثرة الإستعمال فالمستفاد منه عدم كونهما بمعنى واحد (أي المعنى الأوّل من المعاني الأربعة) مضافاً إلى أنّه بعيد في نفسه لأنّ أحدهما مصدر الثلاثي المجرّد والآخر مصدر المزيد، كما أنّ معنى المجازاة على الضرر (وهو المعنى الرابع) يكون من لوازم باب المفاعلة، وهكذا المعنى الثالث وهو كونه فعل الاثنين فليسا هما مستفادين من كثرة الاستعمال بل المستفاد من التتبّع في موارد إستعمال الكلمة في الكتاب والسنّة إنّما هو المعنى الثاني وهو- كما أشرنا- عبارة عن التعمّد على الضرر بما لا ينتفع به فقوله تعالى: «وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً» معناه الإمساك ثمّ الطلاق بقصد الإيذاء لا بقصد الإمساك والانتفاع كما يشهد عليه قوله تعالى: «لِتَعْتَدُوا» الوارد في ذيل الآية وكذلك الروايات الواردة في ذيلها، وهكذا قوله تعالى: «لَاتُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» بناءً على أحد التفسيرين المذكورين سابقاً وهو كونه نهياً عن اضرار الامّ بولدها بترك إرضاعه غيظاً على أبيه وعن اضرار الأب بولده بانتزاعه عن امّه طلباً للاضرار بها، وقوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى