أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠١ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
لأجل التعلّم ثمّ العمل على وفقه أو عقد القلب عليه إذا كان في اصول الدين.
نعم، هيهنا إشكالات أوجبت الذهاب إلى الأقوال الثلاث الاخر، وعمدتها أمران:
أحدهما: أنّ المفروض كون الجاهل عاجزاً عن العمل في مقام الامتثال فلا معنى لأن يعاقب على ترك ما لم يكن مقدوراً له، نعم أنّه كان قادراً على التعلّم فيعاقب على تركه.
ثانيهما: (بالنسبة إلى خصوص التكاليف المشروطة أو الموقتة) أنّ الواقع في التكاليف المشروطة والموقتة لم ينجز على المكلّف كي يعاقب عليه، إذ لا وجوب قبل تحقّق الشرط وقبل الوقت حتّى تكون المقدّمة (وهى التفحّص والتعلّم) واجبة، وكذلك لا وجوب بعد تحقّق الشرط وبعد دخول الوقت أحياناً لعدم القدرة عليه.
أمّا الجواب عن الأوّل: فهو إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً ولو كان منافياً له تكليفاً، ففي ما نحن فيه فإن الواقع وإن كان مغفولًا عنه حين المخالفة، وكان خارجاً عن تحت الإختيار، ولكنّه بالنهاية ينتهي إلى الاختيار، وهو ترك التعلّم عمداً حينما التفت إلى تكاليف في الشريعة، كما هو الحال في كلّ مسبّب توليدي خارج عن تحت الاختيار إذا كان منتهياً إلى أمر اختياري، فإذا ألقى مثلًا بنفسه من شاهق فرغم خروجه عن الاختيار بعد ذلك، فيهلك قهراً بلا اختيار عند سقوطه على الأرض، ولكن حيث كان الهلاك نتيجة الإلقاء الذي هو أمر اختياري فيكون مصحّحاً للعقاب على ما ليس بالاختيار.
إن قلت: تكليف العبد العاجز حين العجز بما يكون عاجزاً عنه تكليف بما لا يطاق، وهو قبيح.
قلنا: ليس التكليف هذا تكليفاً بما لا يطاق لأنّه يكون مقدوراً له بالواسطة.
وإن شئت قلت: المعيار في العقاب وعدمه هو صحّة إسناد الترك إلى اختيار المكلّف وعدمها والإسناد (ولو مع الواسطة) صادق صحيح فيما إذا كان سقوط التكليف بسوء الاختيار.
وأمّا الإشكال الثاني فيمكن الجواب عنه بوجهين:
الوجه الأوّل: ما مرّ في محلّه من إمكان وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها، ولا ينافي هذا كون وجوبها وجوباً ترشحياً لأنّ المراد منه الترشّح بحسب الداعوية في نفس المولى لا الترشّح تكويناً، والأوّل يحصل بمجرّد تصوّر المولى وجوب ذي المقدّمة في المستقبل أيضاً، فهو