أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٣ - المقام الثاني في شرائط جريان سائر الاصول
عن طريق الاجتهاد أو التقليد، والإطاعة العلميّة الإجماليّة، والإطاعة الظنّية الإجماليّة، والعقل حاكم على لزوم رعاية هذه المراتب، فمع إمكان المرتبة العالية من الإطاعة لا يجوز التنزّل إلى المرتبة الدانية، وغير خفيّ أنّ العمل بالاحتياط مع القدرة على الاجتهاد أو التقليد تنزّل من الإطاعة التفصيليّة إلى الإطاعة الإجماليّة.
أقول: الإنصاف أنّ هذا ادّعاء محض، ودعوى بلا دليل، لأنّ المقصود من الإطاعة هو إتيان المأمور به جامعاً للشرائط، وهو حاصل بالاحتياط ولو بتكرار العمل أيضاً، ولما عرفت من عدم اعتبار قصد الوجه والجزم في النيّة، وعدم المنافاة بينه وبين قصد القربة.
نعم لا يخفى أنّ العمل بالاحتياط ليس شيئاً مقدوراً لكلّ أحد بل لابدّ فيه من تشخيص مواضعه وكيفيّة أدائه، فيجب أن يكون المحتاط إمّا من أهل العلم والإطّلاع، أو يسأل منهم، فالطريق الوحيد لغالب الناس هو العمل بالتقليد على فرض عدم الاجتهاد.
هذا كلّه في المقام الأوّل (أي شرائط العمل بأصالة الاحتياط).
المقام الثاني: في شرائط جريان سائر الاصول
فالكلام فيه يقع في موردين:
المورد الأوّل: في شرائط الإجراء بالنسبة إلى الشبهة الحكميّة.
المورد الثاني: في شرائط الإجراء بالنسبة إلى الشبهة الموضوعيّة.
أمّا المورد الأوّل: فبالنسبة إلى أصالة البراءة نقول:
يشترط في جريان البراءة العقليّة التفحّص عن مظانّ أحكام المولى ثمّ إجرائها بعد اليأس عن الضفر بها، لأنّها عبارة عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، والمراد من البيان إنّما هو البيان في مظانّ أداء المقصود الذي به يتحقّق الوصول، حيث إنّه لا يشترط فيه الإبلاغ إلى كلّ أحد، فهو في مثل المعاهد والمنظّمات يتحقّق بنصب الأمر الإداري على لوحة الإعلانات أو إيراده في جريدة رسميّة، ولا يجوز جريان البراءة إلّابعد الفحص عن تلك اللوحة وهذه الجريدة، وبعبارة اخرى: للمولى وظيفة وللعبد وظيفة اخرى، فوظيفة المولى إنّما هو بيان تكليفه وإبلاغه بنحو متعارف، ووظيفة العبد هو الفحص عن بيان المولى في مظانّه المعلومة.
هذا في البراءة العقليّة، وكذلك فيما إذا قلنا بالبراءة العقلائيّة (كما هو المختار) لأنّ العقلاء أيضاً لا يجرون البراءة ولا يحكمون ببراءة ذمّة العبد إلّابعد فحصه عن مظانّ البيان.
أمّا البراءة الشرعيّة: فحيث إنّ أدلّتها لفظيّة (كحديث الرفع) وهى بظاهرها مطلقة،