أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥ - المقام الثالث في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليين
بقي هنا شيء:
وهو ما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله في ذيل البحث عن الأقل والأكثر الارتباطيين من أنّه إذا دار الأمر بين جزئيّة شيء أو شرطيّته، وبين مانعيته أو قاطعيته لكان من قبيل المتباينين ولا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين، فيكون الواجب الاحتياط (خلافاً لما ربّما يظهر من الشيخ الأنصاري رحمه الله من كونه من الدوران بين المحذورين، وأنّ الأقوى فيه هو التخيير).
أقول: الفرق بين المانع والقاطع أنّ الأوّل يمنع عن تأثير المقتضي فيقابل الشرط الذي يكمّل اقتضاء المقتضي، ويوجب إتمام تأثيره، وأمّا الثاني فهو ما يتخلّل بين الأجزاء ويقطع المقتضي، فهو يمنع عن وجود المقتضي، بينما الأوّل يمنع عن تأثيره بعد وجوده.
وكيف كان، الحقّ مع المحقّق الخراساني رحمه الله، أي يكون المقام من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، لأنّ دوران الأمر بين المحذورين يتصوّر بالنسبة إلى العمل الواحد، وفي ما نحن فيه يمكن إتيان العمل مرّتين، أي تكرار العبادة بقصد الرجاء، وفعلها تارةً مع ذلك الشيء المشكوك، واخرى بدونه.
إلى هنا تمّ البحث عن المقام الثاني من المقامات الثلاثة لمبحث الاشتغال (وهو دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
المقام الثالث: في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليين
الظاهر قيام الإجماع على البراءة عن الأكثر فيه، ووجهه واضح، لرجوعه إلى الشبهة البدويّة بالنسبة إلى الأكثر، كما إذا دار الأمر في الصلوات الفائتة بين عشر صلوات وخمس عشرة، (هذا في الشبهة الموضوعيّة)، وكما إذا علمنا بفوات عدّة صلوات يوميّة وغيرها كصلاة الآيات، وشككنا في وجوب قضاء غير اليومية (وهذا في الشبهة الحكميّة) فتجري البراءة بالنسبة إلى خمس صلوات في المثال الأوّل وبالنسبة إلى غير اليومية في المثال الثاني.
نعم، إذا كان في البين أصل موضوعي يوجب ارتفاع موضوع البراءة فلا إشكال في تقدّمه عليها وعدم الحاجة إلى جريانها، كما إذا علمنا بفوات الصّلاة في يومين، وشككنا في فواتها في يوم ثالث، فتجري حينئذ أصالة عدم الإتيان (استصحاب عدم الإتيان) ويثبت