أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٥ - الجهة الاولى في الأجزاء
إن قلت: ليس الأمر خالياً من إحدى الحالتين فإمّا ينحلّ العلم الإجمالي أو لا ينحلّ.
فإن انحلّ فتكون الشبهة بالنسبة إلى الأكثر بدويّة، والحكم فيها هو البراءة كسائر مصاديق الشبهات البدويّة فلا خصوصيّة لما نحن فيه، وإن لم ينحلّ فكيف يكون بناء العقلاء على البراءة مع وجود العلم الإجمالي وتنجّزه عقلًا؟
قلنا: إنّ العلم الإجمالي وإن لم ينحلّ بل كان منجّزاً عند العقل، لكن مع ذلك جرى بناء العقلاء على البراءة، وأمضاه الشارع المقدّس كما مرّ تفصيله عند الكلام في البراءة العقليّة مستوفاً.
هذا كلّه هو الدليل الأوّل للمحقّق الخراساني رحمه الله على وجوب الاحتياط.
الدليل الثاني: ما يكون مبتنيّاً على مقالة العدليّة من أنّ الواجبات الشرعيّة الطاف في الواجبات العقليّة، وإنّ الأوامر والنواهي مبنيّة على مصالح ومفاسد واقعيّة لمتعلّقاتها، وهو إنّا نقطع بوجود ملاك ومصلحة ملزمة قائمة بالأقل أو الأكثر، وإذا لم يأت بالأكثر يشكّ في حصول الملاك وتلك المصلحة، فيحكم العقل بلزوم إتيان الأكثر حتّى يحصل العلم بحصول الملاك.
إن قلت: هذا لا يلائم مقالة الأشاعرة ومبنى من يقول بوجود المصلحة في خصوص الأمر نفسه لا في متعلّقه.
قلنا: إنّا لسنا مسؤولين عن عقائد الأشاعرة بل علينا أن نبحث وفقاً لمبانينا.
إن قلت: لا يمكن في المقام تحصيل الغرض، لاحتمال اعتبار قصد الوجه (وهو إتيان الأجزاء بقصد الوجوب) فيه، وهو لا يمكن بالنسبة إلى الأكثر.
قلنا: قد مرّ كراراً عدم وجوب قصد الوجه، ولو سلّمنا بوجوبه فإنّه واجب بالإضافة إلى مجموع العمل لا كلّ جزء جزء.
أقول: هذا الدليل أيضاً غير تامّ لأنّه لا دليل على لزوم تحصيل الغرض إلّافي ثلاث حالات:
الاولى: فيما إذا لم يكن المولى قادراً على البيان كما إذا كان محبوساً.
الثانية: فيما إذا وقع الغرض بنفسه تحت أمر المولى كما إذا كان المأمور به في الوضوء مثلًا عنوان الطهارة المعنوية التي هى من الامور البسيطة، فيجب الاحتياط في الأجزاء حتّى يعلم بحصولها.