أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥١ - المقام الثاني في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين
الكلام في الأقل والأكثر الارتباطيين
المقام الثاني: في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين
إذا شككنا في أنّ الواجب في الصّلاة مثلًا هل هو تسعة أجزاء (من دون وجوب السورة) أو عشرة أجزاء، فهل يجب عليه الاحتياط، أو لا؟
وينبغي قبل الورود في أصل البحث بيان الفرق بين الأقلّ والأكثر الإرتباطيين، والأقلّ والأكثر الاستقلاليين، وأنّ الملاك فيه هل هو تعدّد الأغراض ووحدتها، أو تعدّد التكاليف ووحدتها؟
ذهب في تهذيب الاصول إلى الأوّل وقال: إنّ الأقل في الاستقلالي مغاير للأكثر غرضاً وملاكاً وأمراً وتكليفاً، كالفائتة المردّدة بين الواحد وما فوقها، والدين المردّد بين الدرهم والدرهمين، فهنا أغراض وموضوعات وأوامر وأحكام على تقدير وجوب الأكثر ... وأمّا الإرتباطي فالغرض قائم بالأجزاء الواقعيّة، فلو كان الواجب هو الأكثر فالأقل خالٍ عن الغرض والأثر المطلوب ... إلى أن قال: «ومن ذلك يظهر أنّ ملاك الاستقلاليّة والإرتباطيّة باعتبار الغرض القائم بالموضوع قبل تعلّق الأمر»، ثمّ استدلّ لضعف القول بأنّ الملاك إنّما هو وحدة التكليف وكثرته بقوله: «ضرورة أنّ وحدته وكثرته (وحدة التكليف وكثرته) بإعتبار الغرض الباعث على التكليف، فلا معنى لجعل المتأخّر عن الملاك الواقعي ملاكاً لتمييزهما» [١].
أقول: الصحيح هو الثاني، أي الميزان هو وحدة التكليف وتعدّده، وذلك لأنّه ليست الأغراض غالباً في متناول أيدينا، ولا يمكن لنا الظفر بها والعثور عليها، بل الواصل إلينا والموجود بأيدينا إنّما هو الأوامر والنواهي المتعلّقة بالمركّبات الشرعيّة، فالمركّب الإرتباطي ما يتألّف من أشياء تكون الأوامر المتعلّقة بها أمراً واحداً حقيقة منبسطاً عليها، فتكون بينها ملازمة ثبوتاً وسقوطاً، وأمّا المركّب الاستقلالي فهو ما يتألّف من أشياء تتعلّق بها أوامر تكون لكلّ منها إطاعة مستقلّة، فلا ملازمة بينها ثبوتاً وسقوطاً، هذا مضافاً إلى أنّ ما ذكره لا يصحّ بناءً على مقالة النافين للأغراض.
إذا عرفت هذا فلندخل في أصل البحث فنقول: يقع الكلام في الأقلّ والأكثر
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٣٢١ و ٣٢٢، طبع جماعة المدرّسين.