أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٦ - التنبيه السابع حكم ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة
على طهارته لاستصحاب الطهارة، وبقاء الثوب على نجاسته لاستصحاب النجاسة مع القطع باتّحادهما واقعاً أمّا في الطهارة أو في النجاسة.
إن قلت: إنّ الملاقاة بمنزلة تقسيم ما في أحد المشتبهين وجعله في إنائين فتّتسع دائرة الملاقى، فالملاقي والملاقى معاً طرف واحد للعلم الإجمالي، والإناء الآخر طرف آخر له، فيجب الاجتناب عن مجموع الثلاثة.
قلنا: المفروض- كما قلنا- حصول الملاقاة بعد حصول العلم الإجمالي وتعارض الاصول في الأطراف، ومعه كيف يصير الملاقي جزءً لأحد الأطراف مع أنّه قد مرّ سابقاً أنّ الاصول تدخل في مجال التعارض مرّة واحدة فيبقى الأصل الجاري في الملاقي بلا معارض؟
إن قلت: إنّ مسألة الاجتناب عن الملاقي يعدّ عرفاً من شؤون الاجتناب عن الملاقى، وليس تكليفاً جديداً، وليس وجوب الاجتناب عن الملاقي لأجل تعبّد آخر وراء التعبّد بوجوب الاجتناب عن الملاقى، أي يدلّ نفس دليل وجوب الاجتناب عن النجس ( «والرجز فاهجر» أو «اجتنب عن النجس») على الاجتناب عنه وعن ملاقيه بوزان واحد فلو كان الملاقى هو النجس الواقعي توقّف العلم بهجره على الاجتناب عنه وعن ملاقيه، كما يتوقّف العلم بإمتثال خطاب «اجتنب عن النجس» على الاجتناب عن طرف الملاقي أيضاً، بداهة الفراغ اليقيني عن وجوب الاجتناب عن النجس المعلوم المردّد لا يحصل إلّابذلك.
قلنا: هذه دعوى بلا دليل لأنّ الملاقي (على فرض تنجّسه كما في النجس المعلوم تفصيلًا) موضوع جديد للجنس، وله حكم جديد، ولشربه معصية جديدة، فيعدّ شرب الملاقي والملاقى معاً معصيتين لا معصية واحدة، كما هو الظاهر من بعض الروايات كما أفاد به في تهذيب الاصول، حيث قال: ويمكن الاستدلال على القول المشهور (إنّ وجوب الإجتناب عن الملاقي مجعول مستقلًا) بمفهوم قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»، فإنّ مفهومه إنّ الماء إذا لم يبلغ حدّ الكرّ ينجّسه بعض النجاسات، أي يجعله نجساً ومصداقاً مستقلًا منه، وظاهره أنّ الأعيان النجسة واسطة لثبوت النجاسة للماء فيصير الماء لأجل الملاقاة للنجس فرداً من النجس مختصّاً بالجعل [١].
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٢٩٨، طبع جماعة المدرّسين.