أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - التنبيه الثاني خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء
العناوين العامّة من دون أن يقيّد بقيد أصلًا، فلو اريد من الانحلال رجوع كلّ خطاب عام إلى خطابات بعدد المكلّفين حتّى يكون كلّ مكلّف مخصوصاً بخطاب خاصّ به وتكليف مستقلّ متوجّه إليه فهو ضروري البطلان فإنّ قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» خطاب واحد لعموم المؤمنين، أي الخطاب واحد والمخاطب كثير، كما أنّ الإخبار «بأنّ كلّ نار حارة» إخبار واحد والمخبر عنه كثير، فلو قال أحد: «كلّ نار بارد» فلم يكذب إلّاكذبة واحدة لا أكاذيب متعدّدة حسب أفراد النار، فلو قال: «ولا تقربوا الزنا» فهو خطاب واحد متوجّه إلى كلّ مكلّف، ويكون الزنا تمام الموضوع للحرمة، والمكلّف تمام الموضوع لتوجّه الخطاب إليه، وهذا الخطاب الوحداني يكون حجّة على كلّ مكلّف من غير إنشاء تكاليف مستقلّة أو توجّه خطابات عديدة، لست أقول: إنّ المنشأ تكليف واحد لمجموع المكلّفين فإنّه ضروري الفساد، بل أقول: إنّ الخطاب واحد والإنشاء واحد والمنشأ هو حرمة الزنا على كلّ مكلّف من غير توجّه خطاب خاصّ أو تكليف خاصّ مستقلّ إلى كلّ واحد، ولا إشكال في عدم استهجان الخطاب العمومي.
ثمّ رتّب على القول بالانحلال توالي فاسدة:
منها: عدم صحّة خطاب العصاة من المژسلمين لأنّ خطاب من لا ينبعث به قبيح أو غير ممكن.
ومنها: عدم صحّة تكليف الكفّار بالاصول والفروع بنفس الملاك.
ومنها: قبح تكليف صاحب المروّة بستر العورة مثلًا فإنّ الدواعي مصروفة عن كشف العورة فلا يصحّ الخطاب.
ومنها: أنّه يلزم على الانحلال وكون الخطاب شخصياً عدم وجوب الاحتياط عند الشكّ في القدرة لكونه شكّاً في تحقّق ما هو جزء للموضوع، وهو خلاف السيرة الموجودة بين الفقهاء من لزوم الاحتياط عند الشّك في القدرة.
ومنها: لزوم الالتزام بأنّ الخطابات والأحكام الوضعيّة مختصّة بما هو محلّ الابتلاء لأنّ جعل الحكم الوضعي إن كان تبعاً للتكليف فواضح، ومع عدم التبعية والاستقلال بالجعل فالجعل إنّما هو بلحاظ الآثار، ومع الخروج عن محلّ الابتلاء لا يترتّب عليها آثار فلابدّ من الالتزام بأنّ النجاسة والحلّية وغيرهما من الوضعيّات من الامور النسبيّة بلحاظ المكلّفين،