أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠ - ٧- في مباحث الشكّ والاصول العمليّة
الحكم، والقاعدة الفقهيّة ما تكون بنفسها حكماً كلّياً فرعياً، والمسألة الفقهيّة عبارة عن الأحكام الفرعيّة الجزئيّة، أي ما يتعلّق به عمل المكلّف (وإن كان كلّياً في نفسه)، والاصول العمليّة إنّما هى من القسم الثاني لأنّها بنفسها أحكام كلّية فرعيّة.
ولكن عند الدقّة والتأمّل يظهر أنّها من القسم الأوّل، وذلك لعدم اشتمالها على حكم من الأحكام الخمسة، أمّا البراءة فلأنّها في الشبهات الوجوبيّة عبارة عن عدم الوجوب، وفي الشبهات التحريميّة عبارة عن عدم الحرمة، فليست هى بنفسها حكماً معيّناً من الأحكام الخمسة (لا وجوداً ولا عدماً).
وأمّا الاستصحاب فلأنّه عبارة عن العمل بالحالة السابقة المتيقّنة، ولا يخفى أنّ المعلوم سابقاً تارةً يكون وجوباً واخرى تحريماً، وثالثة حكماً وضعيّاً، كما أنّه قد يكون موضوعاً خارجياً، فلا يندرج في تعريف القواعد الفقهيّة.
وهكذا الاحتياط لأنّه في الشبهات الوجوبيّة عبارة عن الوجوب، وفي الشبهات التحريميّة عبارة عن الحرمة، فليس في جميع الموارد حكماً من الأحكام الخمسة، بل إنّه يدلّ على مطلق الإلزام، وليس الإلزام نوعاً من الأحكام الخمسة.
وهكذا التخيير لأنّه سيأتي أنّ المراد منه في مباحث الاصول العمليّة إنّما هو التخيير العقلي، وعبارة عن نفي البأس والعقاب باختيار المكلّف أحد الأطراف، فليس حكماً شرعيّاً من الأحكام الخمسة.
أمّا الأمر الثالث: وهو انحصار الاصول العمليّة في الأربعة فيستفاد من كلمات المحقّق الخراساني رحمه الله نفي انحصارها العقلي في الأربعة مع اعترافه بأنّ المهمّ منها أربعة، وأنّ مثل قاعدة الطهارة وإن كان ممّا ينتهي إليها فيما لا حجّة على طهارته، ولا على نجاسته، إلّاأنّ البحث عنها ليس بمهمّ لأنّها ثابتة بلا كلام من دون حاجة إلى نقض وإبرام بخلاف الأربعة فإنّها محلّ الخلاف بين الأصحاب، ويحتاج تنقيح مجاريها وتوضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث وبيان، ومؤونة حجّة وبرهان، هذا مع جريانها في كلّ الأبواب واختصاص تلك القاعدة ببعضها.
وصرّح شيخنا الأعظم رحمه الله في موضعين من رسائله (أوائل مباحث القطع وأوّل البحث عن البراءة) بحصر مجاريها في الأربعة عقلًا.