الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - موقف الإنسان من تحصيل النعمة و سلبها!
و هذه الدعوة الربّانية تقابل ما كان سائدا في عصور الجاهلية، كيف و كانوا يتعاملون مع اليتامى، و لا تنفصل جاهلية اليوم عن تلك الجاهلية، فنرى من لم يدخل الإيمان قلبه، كيف يتوسل بمختلف الحيل و الألاعيب لسرقة أموال اليتامى، و الأشد من هذا فإنّهم يتركون اليتامى جانبا بلا اهتمام و لا رعاية ليعيشوا غمّ فقدان الآباء و بأشدّ صورة! فإكرام اليتيم لا ينحصر بحفظ أموالهم- كما يقول البعض- بل يشمل حفظ الأموال و غيرها.
«تحاضون»: من (الحض)، و هو الترغيب، فلا يكفي إطعام المسكين بل يجب على النّاس أن يتواصوا و يحث بعضهم البعض الآخر على ذلك لتعم هذه السنّة التربوية كلّ المجتمع [١].
و قد قرنت الآية (٣٤) من سورة الحاقة عدم الإكرام بعدم الإيمان باللّه عزّ و جلّ: إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَ لا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [٢].
و تعرض الآية التالية ثالث أعمالهم القبيحة: وَ تَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا [٣].
ممّا لا شكّ فيه أنّ الاستفادة من الميراث المشروع عمل غير مذموم، و لذا فيمكن أن يكون المذموم في الآية أحد الأمور التالية:
الأوّل: الجمع بين حقّ الإنسان و حقّ الآخرين في الميراث، لأنّ كلمة «لمّ» بمعنى الجمع، و فسّرها الزمخشري في الكشّاف بمعنى الجمع بين الحلال و الحرام.
و كانت عادة العرب في الجاهلية أن يحرموا النساء و الأطفال من الإرث لاعتقادهم بأنّه نصيب المقاتلين (لأنّ أكثر أموالهم تأتيهم عن طريق السلب و الإغارة).
[١]- «تخاضون»: في الأصل (تتحاضون)، و حذفت إحدى التائين للتخفيف.
[٢]- «طعام» هو في الآية ذو معنى مصدري أي: (إطعام).
[٣]- «لمّ»: بمعنى الجمع، و تأتي بمعنى الجمع مع الإصلاح أيضا.