الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٤ - قسما بالمجاهدين الواعين
العدوّ و تشن حملتها في قلبه، و تشّتت جمعه. و هذا نتيجة ما تتحلّى به من سرعة و يقظة و استعداد و شهامة و شجاعة.
أو إنّها إشارة إلى ورود الحجاج من المشعر إلى قلب منى.
و قيل إنّ المقصود محاصرة الأعداء. و هذا يصحّ لو كان الفعل «فوسّطن» بتشديد السين، و القراءة المشهورة ليست كذلك. فالصحيح هو المعنى الأوّل.
نستخلص ممّا سبق أن القسم في الآيات بهذه الخيول التي هي أولا تسرع إلى ميدان الجهاد بنفس شديد، ثمّ تزيد سرعتها حتى يتطاير الشرر من تحت حوافرها فيشقّ عتمة الليل ... و بعدها تقترب من منطقة العدو، فتباغته، و عند انبلاج عتمة الليل تشنّ هجوما شديدا يثير الغبار في كل جانب، ثمّ تتوغل إلى قلب العدوّ و تشتت صفوفه.
القسم إذن- بهذه الخيول المقتدرة! ... بفرسانها الشجعان! ... بأنفاس مركب المجاهدين! ... بشرارات النيران المتطايرة من تحت حوافرها! ... بذلك الهجوم المباغت! ... بذرات الغبار المنتشرة في الفضاء! ... بدخولها قلب صفوف الأعداء و تحقيق النصر الحاسم عليهم! هذه التعابير- و إن لم ترد كلها صراحة في الآيات- فهي مجموعة كلها في الدلالات الضمنية للكلام.
من هنا يتّضح أن الجهاد له منزلة عظيمة حتى أن أنفاس خيل المجاهدين استحقت أن يقسم بها ... و هكذا الشرر المتطاير من حوافر هذه الخيول ... و الغبار الذي تثيره في الجو ... نعم حتى غبار ساحة الجهاد له قيمة و عظمة.
و قيل: أنّ المقصود بهذه الأقسام قد يكون النفوس التي تستطيع أن تنقل كمالها إلى الآخرين، و تقدح شرارة العلم بأفكارها، و تهجم على أهوائها النفسية، و تثير الشوق الإلهي في نفسها و نفوس الآخرين، و تستقر أخيرا في قلب سكنة