الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٥ - نعم إلهية
و هذا يعني أنّ نعمة شرح الصدر تفوق معاجز الأنبياء. و المتمعّن في دراسة حياة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ما فيها من مظاهر تدل على شرح عظيم لصدره تجاه الصعاب و المشاق يدرك بما لا يقبل الشك أن الأمر لم يتأت لرسول اللّه بشكل عادي، بل إنّه حتما تأييد إلهي ربّاني.
و قيل أنّ شرح الصدر إشارة لحادثة واجهت الرّسول في طفولته حين نزلت عليه الملائكة فشقّت صدره و أخرجت قلبه و غسلته، و ملأته علما و حكمة و رأفة و رحمة. [١] المقصود طبعا من القلب في هذه الرّواية ليس القلب الجسماني، بل إنّه كناية و إشارة إلى الإمداد الإلهي من الجانب الروحي، و إلى تقوية إرادة النّبي و تطهيره من كل نقص خلقي و وسوسة شيطانية.
و لكن، على أي حال، لا يتوفر عندنا دليل على أنّ الآية الكريمة مختصة بالحادثة المذكورة، بل لها مفهوم واسع، و قد تكون هذه القصّة أحد مصاديقها.
و بسعة الصدر هذه اجتاز الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم العقبات و الحواجز و الصعاب على أفضل وجه، و أدّى رسالته خير أداء.
ثمّ يأتي ذكر الموهبة الثّانية.
وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ أي ألم نضع عنك الحمل الثقيل.
الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ.
«الوزر» بمعنى الثقل، و منها «الوزير» الذي يحمل أعباء الدولة، و سمّيت الذنوب «وزرا» لأنّها تثقل كاهل صاحبها.
«انقض» من (النقض) أي حلّ عقدة الحبل، أو فصل الأجزاء المتماسكة من البناء، و «الانتقاض» صوت انفصال اجزاء البناء عن بعضها، أو صوت فقرات
[١]- تفسير الدر المنثور (نقلا عن تفسير الميزان، ج ٢٠، ص ٤٥٢) و تفسير الفخر الرازي، ج ٣٢، ص ٢. و هذه الرّواية ذكرها البخاري و الترمذي و النسائي أيضا في قصّة المعراج.