الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٠ - قسما بالمجاهدين الواعين
لمحاربتهم. فحثوا الخطى إلى منطقة العدو و طووا الطريق في الليل، فحاصروا العدوّ، و عرضوا عليهم الإسلام أوّلا، و حين أبوا شنوا هجومهم و الجوّ لمّا يزل في ظلام، و دحروهم، فقتلوا جماعة و أسروا النساء و الأطفال و غنموا أموالا كثيرة.
و نزلت سورة «و العاديات»، و جيوش الإسلام لم تصل إلى المدينة بعد، و في ذات اليوم صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالنّاس الغداة و قرأ «و العاديات»، فلما فرغ من صلاته قال أصحابه هذه سورة لم نعرفها،
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «نعم إن عليّا ظفر بأعداء اللّه و بشرني بذلك جبرائيل عليه السّلام في هذه الليلة. فقدم علي بعد أيّام بالغنائم و الأسارى [١].
و قيل: إن هذه الواقعة من المصاديق البارزة للآية و ليست سببا لنزولها.
التّفسير
قسما بالمجاهدين الواعين:
قلنا إن هذه السّورة تبدأ بالقسم بأمور محفّزة منبّهة. تقسم أولا بالخيول الجارية المندفعة (إلى ميدان الجهاد) و هي تحمحم و تتنفس بشدّة:
وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً. [٢] و يمكن أن يكون القسم هذا بإبل الحجاج المتجهة من عرفات إلى المشعر الحرام، و من المشعر الحرام إلى منى و هي تتنفس بشدّة.
«العاديات» جمع عادية، من «العدو»، و هو المغادرة و الابتعاد بالقلب.
فتكون «العداوة» أو بالحركة الخارجية فيكون (العدو) و هو الركض، أو بالمعاملات فيسمى (العدوان). و «العاديات» في الآية هي الجاريات بسرعة،
[١]- بحار الأنوار، ج ٢١، ص ٦٦ و ما بعدها. و «مجمع البيان» ج ١٠، ص ٥٢٨. و بعض كتب التاريخ الأخرى.
[٢]- القاعدة أن تكون: و العاديات عدوا، و لكن «الضبح» لملازمته العدو ناب عنه، فكانت و العاديات ضبحا. و قيل إن ضبحا مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: و العاديات يضبحن ضبحا.