الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - ممّ خلق الإنسان؟!
و قد ورد هذا المعنى في الآية (٥) من سورة الحج: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، بالإضافة إلى الآية (٦٧) من سورة مريم: أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً.
و تصف لنا الآية التالية ذلك اليوم الذي سيرجع فيه الإنسان: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [١].
«تبلى»: من (البلوى)، بمعنى الاختبار و الامتحان، و هو هنا الظهور و البروز، لأنّ الامتحان يكشف عن حقيقة الأشياء و يظهرها.
«السرائر»: جمع (سريرة)، و هي صفات و نوايا الإنسان الداخلية.
نعم، فأسرار الإنسان الدفينة ستظهر في ذلك اليوم، «يوم البروز» و «يوم الظهور»، فسيظهر على الطبيعة كلّ من: الإيمان، الكفر، النفاق، نيّة الخير، نيّة الشر، الإخلاص، الرياء ...
و سيكون ذلك الظهور مدعاة فخر و مزيد نعمة للمؤمنين، و مدعاة ذلّة و مهانة و حسرة للمجرمين ...
و ما أشد ما سيلاقي من قضى وطرا من عمره بين النّاس بظاهر حسن و نوايا خبيثة! و ما أتعسه حينما تهتك أقنعته المزيفة فيظهر على حقيقته أمام كلّ الخلائق! و ربّما ذلك من أشدّ عذاب جهنم عليه ...
و تصف لنا الآية (٤١) من سورة الرحمن هيئتهم بالقول: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ، و كذا الآيات (٣٨- ٤١) من سورة عبس: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ.
نعم، فكما إنّ «الطارق» و النجوم الاخرى تظهر من خفائها ليلا على صفحة السماء، فكذا حال الإنسان في عرصة يوم القيامة، فالحفظة و المراقبين الإلهيين
[١]- «يوم» ظرف زمان متعلق بالرجع في الآية السابقة.