الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٦ - خواء خطط الأعداء
عذابهم، و أنّ يتمّ الحجّة عليهم، فعسى أن يعود قسم منهم إلى رشده و يسلم و أساسا فالعجلة لمن يخاف الفوت، و هذا ما لا يصدق على القاهر القادر سبحانه و تعالى.
و الملاحظ في الآية، إنّها شرعت ب فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ فيما أكّدت ذلك بقولها «أمهلهم»، فالأوّل من باب (التفعيل)، و الثّاني من باب (الأفعال) و قد جاء للتأكيد دون تكرار اللفظ بعينه.
«رويدا»: من (الرود)- على وزن عود- و هو التردد في طلب الشيء يرفق، و لها هنا معنى مصدريا مع تصغير، أي أمهلهم مهلة صغيرة [١].
و بهذا يوصي اللّه عزّ و جلّ نبيّه الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في هذه الجملة المختصرة ثلاث مرات بامهال و مداراة الكافرين و هذا في الحقيقة درس للمسلمين في الكيفية التي ينبغي العمل بها عند مواجهة أعداءهم، و خصوصا إذا ما كانوا أعداء أقوياء و شرسين، فلا بدّ من الصبر و التأني و الدقّة في حساب خطوات المواجهة، و ينبغي عدم التسرع في العمل، و كذا عدم تنفيذ القرارات غير المدروسة.
مضافا إلى التبليغ و الدعوة إلى الحق لا بدّ فيها من تجنب العجلة و التسرّع حتّى تتاح الفرصة لكلّ من يمكن هديه، فلا بدّ من تفهيم الإسلام بكل لطف و سعة صدر مع الدليل القاطع، و بهذا تتمّ الحجّة على الآخرين.
أمّا السبب في طلب الإمهال القليل، ففيه احتمالين:
الأوّل: كان الإمهال لحين حدوث معركة بدر، حيث أحرز المسلمون فيها نصرا مبينا على الكفار بعد مدّة قليلة من نزول الآية.
و معركة بدر أوّل ضربة موجعة تلقاها المشركون من المسلمين، ثمّ تلتها ضربات في معركة الأحزاب و معركة خيبر و غيرها، ممّا أفشل مخططات الكفرة
[١]- ف «رويدا» في محل مفعول مطلق، و المعنى: أمهلهم إمهالا قليلا، أمّا ما قيل من كونها تحمل معنى الأمر، فهو بعيد، لأنّ ذلك سيستلزم للآية ثلاثة أوامر.
و مع أنّ «رويدا» جاءت بمعنى الأمر، و على صيغة اسم فعل، لكن الأنسب لها في هذا الموضع أن تكون منصوبة كمفعول مطلق.