الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤ - نحو الكمال المطلق
و في ثالث مرحلة تقول الآية التالية: وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ.
و المعروف بين المفسّرين أنّ الآية تشير إلى إلقاء الأرض بما فيها من موتى فيخرجون من باطن القبور إلى ظاهر الأرض، مرتدين لباس الحياة من جديد.
و قد تناولت آيات اخرى هذا الموضوع، كالآية (٢) من سورة الزلزال:
وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها، و الآيتين (١٣ و ١٤) من سورة النازعات: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ.
و قال بعض المفسّرين: إنّ المعادن و الكنوز المودعة في الأرض ستخرج مع الأموات أيضا.
و ثمّة احتمال آخر في تفسير الآية، يقول: إنّ المواد المذابة التي في باطن الأرض ستخرج نتيجة الزلازل الرهيبة التي تقذفها إلى الخارج، فتملأ الحفر و المنخفضات الموجودة على سطح الأرض، و ستهدأ الأرض بعد أن يخلو باطنها من هذه المواد.
و الجمع بين المعاني التي وردت في تفسير الآية، ممكن.
و ...: وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ.
فتسليم الموجودات لما سيحدث من كوارث كونية مدمرة ينم عن جملة امور، فمن جهة: إنّ الفناء سيعم الدنيا بكاملها بأرضها و سمائها و إنسانها و كلّ شيء آخر، و من جهة اخرى: فالفناء المذكور يمثل انعطافة حادّة في مسير عالم الخليقة، و مقدّمة للدخول في مرحلة وجود جديدة، و من جهة ثالثة، فكلّ ما سيجري سينبأ بعظمة قدرة الخالق المطلقة، و خصوصا في مسألة المعاد.
نعم، فسيرضخ الإنسان، بعد أن يرى بأمّ عينيه وقوع تلك الحوادث العظام، و سيرى حصيلة أعماله الحسنة و السيئة.
و تبيّن الآية التالية معالم طريق الحياة للإنسان مخاطبة له: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ.