الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٨ - قسما بالمجاهدين الواعين
ما فِي الْقُبُورِ إمّا لكون الأفراد أمواتا، أو لأنّهم لا يزالون في حالة إبهام بالنسبة لهويتهم.
و التعبير بالقبور لا يتنافى مع عدم وجود قبر لبعض الأفراد، كالذين يغرقون في البحر، أو المندرسة قبورهم، و المتفرق تراب رفاتهم. لأن أغلب النّاس لهم قبور، أضف إلى ذلك أن القبر يمكن أن يكون له معنى واسع يشمل كل محل فيه تراب جسد الإنسان، و إن لم يكن بشكل قبر اعتيادي.
«حصّل» من التحصيل، و هو في الأصل يعني إخراج اللب من القشر، و كذلك تصفية المعادن، و استخراج الذهب و أمثاله من الخامات. ثمّ استعملت لمطلق الاستخراج و الفصل. و الكلمة في الآية تعني فصل الخير عن الشر في القلوب ...
الإيمان عن الكفر، أو الصفات الحسنة عن الصفات السيئة ... أو النوايا الحسنة عن الخبيثة ... تفصل في ذلك اليوم و تظهر، و ينال كل فرد حسب ذلك جزاؤه. كما قال سبحانه في موضع آخر: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [١].
و التعبير بكلمة «يومئذ» يعني أن اللّه (في ذلك اليوم) خبير بأعمال العباد و سرائرهم.
و نعلم أنّ اللّه سبحانه عليم دائما بذات الصدور. فالتعبير «يومئذ» هو لأن ذلك اليوم يوم الجزاء، و اللّه يجازيهم على أعمالهم و عقائدهم.
هذا التعبير- كما قال بعض المفسّرين- يشبه قول الذي يهدد شخصا فيقول:
سأعرف ماذا دهاك، فهو يعرف أمره الآن أيضا، و القصد أنه سيريه نتيجة ذلك.
نعم، اللّه سبحانه عليم و خبير بأسرارنا و ما تنطوي عليه نفوسنا كاملا. لكن أثر هذا العلم سيكون أظهر و أوضح عند الجزاء. و هذا التحذير لو دخل دائرة إيمان البشر لكان سدا منيعا بينهم و بين الذنوب العلنية و الخفية، و الخارجية و الباطنية،
[١]- الطارق، الآية ٩.