الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٧ - إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا
مفهوما، فيشمل حتّى الوهم و الاحتمالات الضعيفة، و من هذا القبيل ظنّ عبدة الأوثان- إذ كان خرافة تظهر في أذهانهم بشكل احتمال ضعيف. ثمّ ينهض هوى النفس فيزيّن ذلك الاحتمال، و يهمل الاحتمال الآخر الذي هو أقوى من هذا الاحتمال، و يصير الاحتمال الضعيف اعتقادا راسخا مع أنّه لا أساس له أبدا.
و من أجل أن يبيّن القرآن أنّ هؤلاء الجماعة ليسوا أهلا للاستدلال و المنطق الصحيح، و قد ألهاهم حبّ الدنيا عن ذكر اللّه و جرّهم إلى الوحل في خرافاتهم و أوهامهم يضيف قائلا: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا.
و المراد من (ذكرنا) في إعتقاد أغلب المفسّرين هو «القرآن»، و قد يفسّر بأنّه الدلائل المنطقية و العقلية التي توصل الإنسان إلى اللّه، كما احتملوا أن يكون المراد هو ذكر اللّه الذي يقابل الغفلة عند الإنسان.
إلّا أنّ الظاهر أنّ هذا التعبير ذو مفهوم واسع بحيث يشمل كلّ توجّه نحو اللّه، سواء أ كان ذلك عن طريق القرآن، أو عن طريق العقل، أو عن طريق السنّة، أو تذكّر القيامة و ما إلى ذلك! و يستفاد من هذه الآية- ضمنا- أنّ هناك علاقة بين الغفلة عن ذكر اللّه و الإقبال على الماديات، و بين زخرف الدنيا و زبرجها و أنّ بينهما تأثيرا متلازما! فالغفلة عن ذكر اللّه تسوق الإنسان نحو عبادة الدنيا، كما أنّ عبادة الدنيا تصرف الإنسان عن ذكر اللّه، فيكون غافلا عنه- و هما جميعا يقترنان مع هوى النفس، و بالطبع فإنّ الخرافات التي تنسجم مع هوى النفس تتزيّن في نظر الإنسان و تتبدّل تدريجا إلى إعتقاد راسخ! و ربّما لا حاجة إلى التذكير أنّ الأمر بالإعراض عن هذه الفئة (أهل الدنيا) لا ينافي تبليغ الرسالة الذي هو وظيفة النّبي الأساسيّة، لأنّ التبليغ و الإنذار و البشارة كلّها لا تكون إلّا في موارد احتمال التأثير، فحيث يعلم و يتيقّن عدم التأثير فلا يصحّ هدر الطاقات، و ينبغي الإعراض بعد إتمام الحجّة.