الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - مواهب اللّه للمتّقين
و يستدلّون أحيانا بالآيتين (٣٨) و ٣٩) من سورة المدثر .. كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ.
غير أنّ هذا التّفسير مع الالتفات إلى سياق الآيات السابقة و اللاحقة- التي تتكلّم في شأن المتّقين و ليس فيها كلام على المشركين و المجرمين- يبدو غير مناسب! و قبال هذين التّفسيرين الذين يبدو كلّ منهما غير مناسب- من بعض الوجوه- هناك تفسير ثالث ينسجم مع صدر الآية و الآيات السابقة و الآيات اللاحقة، و هو أنّ من معاني «الرهن» في اللغة «الملازمة»، و إن كان معروفا أنّه الوثيقة في مقابل الدين، إلّا أنّه يستفاد من كلمات أهل اللغة أنّ الرهن من معاينة الدوام و الملازمة [١].
بل هناك من يصرّح بأنّ المعنى الأصلي للرهن هو الدوام و الثبوت، و يعدّ الرهن بمعنى الوثيقة من اصطلاحات الفقهاء، لذلك فإنّه حين يقال «نعمة راهنة» فمعناها أنّها ثابتة و مستقرّة [٢].
و يقول أمير المؤمنين في شأن الأمم السالفة: «ها هم رهائن القبور و مضامين اللحود» [٣].
فيكون معنى كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أنّ أعمال كلّ إنسان ملازمة له و لا تنفصل عنه أبدا، سواء كانت صالحة أو طالحة، و لذلك فإنّ المتّقين في الجنّة رهينو أعمالهم، و إذا كان أبناؤهم و ذريّاتهم معهم، فلا يعني ذلك أنّ أعمالهم ينقص منها شيء أبدا.
و أمّا في شأن الآية (٣٩) من سورة المدثر التي تستثني أصحاب اليمين ممّا
[١]- لسان العرب، مادّة رهن.
[٢]- مجمع البحرين، مادّة رهن.
[٣]- نهج البلاغة، من كتاب له ٤٥.