الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢ - آيات اللّه و آثاره في أنفسكم
«المطر» الذي يمنح الحياة و هو مصدر الخير و البركة في الأرض جميعا، و الآية (٥) من سورة الجاثية أيضا توافق هذا التّفسير إذ تقول: وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إلّا أنّ هذا المعنى يمكن أن يكون مصداقا جليّا من مصاديق الآية، في حين أنّ سعة مفهوم الرزق تشمل حبّات المطر و غيرها كنور الشمس الذي يأتي من السماء و له أثره الفاعل في الحياة، و الهواء الذي هو أساس حياة الموجودات.
كلّ هذا لو أخذنا مفهوم السماء بالمعنى اللغوي أي السماء التي فوقنا، إلّا أنّ بعضهم فسّرها بعالم الغيب و ما وراء الطبيعة أو اللوح المحفوظ الذي تقدّر منه أرزاق العباد! و بالطبع فإنّ الجمع بين التّفسيرين ممكن، و أن كان التّفسير الأوّل أنسب و أوضح!.
و أمّا جملة و ما تُوعَدُونَ فيمكن أن تكون تأكيدا على مسألة الرزق و وعد اللّه في هذا المجال، أو أنّ المراد منها الجنّة الموعودة، لأنّنا نقرأ الآية ١٥ من سورة النجم عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى أو أنّها إشارة إلى كلّ خير و بركة أو عذاب ينزل من السماء! أو أنّ «ما توعدون» ناظر إلى جميع هذه المعاني، لأنّ مفهوم «ما توعدون» واسع جدّا.
و على كلّ حال، فهذه الآيات الثلاث فيها ترتيب لطيف، فالآية الاولى تتحدّث عن أسباب وجود الإنسان و حياته، و الآية الثانية تتحدّث عن الإنسان نفسه، و الآية الثالثة تتحدّث عن أسباب بقائه و دوامه!.
و جدير بالالتفات أيضا أنّ ما يمنع البصيرة و يصدّها عن مطالعة أسرار الخلق و أسرار الأرض و عجائب وجود الإنسان هو «الحرص على الرزق»، فاللّه سبحانه يطمئن الإنسان في الآية الأخيرة بأنّ رزقه مضمون، ليستطيع أن ينظر إلى عجائب العالم و يتحقّق فيه قوله: أَ فَلا تُبْصِرُونَ؟!